فرصة تانية حكايات مني السيد ج 2 والاخـير
مرت الأيام الثلاثة التالية في المستشفى وكأنها معجزة أُعطيت لنا من السماء لتُرمم ما أفسدته حماقات الماضي. تحسنت حالة مريم المستقرة تدريجيًا، وبدأت ملامح وجهها الشاحبة تسترد بعضًا من نضارتها وحيويتها، وإن كان التعب والإرهاق لا يزالان يلقيان بظلالهما على عينيها الحزينتين. أما الصغير “يوسف”، فقد كان يقبع داخل تلك الحضانة الزجاجية، محاطًا بالأجهزة والخراطيم الدقيقة التي تساعد رئتيه الصغيرتين على تنفس هواء الدنيا الذي استعجل النزول إليه قبل الأوان.
كنت أقضي ساعات طوال واقفًا خلف لوح الزجاج الكبير، أراقب جسده الضئيل، أصابعه الدقيقة التي تتحرك بعشوائية، وملامحه التي بدت لي مزيجًا ساحرًا بيني وبين مريم. في كل مرة كنت أنظر إليه، كنت أشعر بمسؤولية مرعبة تجتاح كياني. هذا الطفل بريء، ولا ذنب له في كل الخلافات والصمت والجدران الباردة التي بنيناها أنا وأمه حول أنفسنا طوال سنوات. كان يدفع ثمنًا لم يختره، والآن، جاء دوري لأدفع ثمن خطاياي بإثبات أنني أستحق بالفعل أن أكون أبًا له.
دخلت غرفة مريم في صباح اليوم الرابع، محملًا ببعض الفاكهة والعصائر التي أوصى بها الطبيب. كانت طنط هدى تجلس بجوارها، تمشط لها شعرها وتتحدث معها بصوت خفيض، لكنهما صمتتا فور دخولي. شعرت بوخزة في قلبي، مدركًا أن الثقة التي هُدمت في شهور لن تُبنى في مكالمة هاتفية أو بضع دمعات عند باب غرفة العمليات.
— “صباح الخير يا مريم.. صباح الخير يا طنط.” قلتها بنبرة هادئة ومحترمة، واضعًا الحقائب على الطاولة الصغيرة بجوار السرير.
تنحنحت طنط هدى، ونظرت إلى مريم نظرة ذات مغزى، ثم التفتت إليّ وقالت بنبرة وقورة تحمل بعض اللين:
— “صباح النور يا كريم. أنا هسيبكم شوية، هروح الحضانة أطمن على يوسف وأشوف الممرضة لو محتاجة أي أوراق أو علاج.”
أومأت لها بامتنان، وانتظرت حتى أُغلق الباب خلفها تمامًا. التفتُّ إلى مريم التي كانت تتجنب النظر إليّ مباشرة، مركزة عينيها على نافذة الغرفة التي تطل على شارع هادئ في مدينة طنطا. سحبت الكرسي الخشبي وقعدت بجوارها، ممسكًا بكوب من العصير الدافئ وقدمته لها:
— “اشربي ده يا مريم.. الدكتور قال لازم تتغذي كويس عشان الضغط يفضل متظبط، وعشان تقدروا تخرجوا بالسلامة.”
أخذت الكوب مني بهدوء، ولمست أصابعها أصابعي لثانية واحدة، فشعرت بكهرباء تسري في جسدي. أخذت رشفة صغيرة ثم وضعت الكوب جانبًا، والتفتت إليّ بنظرة جادة وثابتة، نظرة خالية من الضعف الذي رأيته فيها ليلة الولادة.
— “كريم.. إحنا لازم نتكلم.” قالتها بصوت واضح ورزين.
— “أنا تحت أمرك يا مريم، اتكلمي وأنا هسمعك لآخر العمر.”
تنهدت بعمق، وسندت ظهرها على الوسائد البيضاء:
— “وجودك هنا، ووقفتك معايا ومع ماما في الأيام اللي فاتت دي، أنا مقدراها جدًا ومش هنسى إنك جيت جري أول ما عرفت. بس ده مغيرش الحقيقة يا كريم. الحقيقة إننا مطلقين. الطلاق ده مكنش مجرد ورقة اتمضت بسرور، ده كان نتيجة شرخ كبير وعميق في بيتنا. إنت قولتلي في وشي إنك بطلت تحبني بسكوتك، وإنت اللي اختارت تنهي كل حاجة في لحظة كنت أنا فيها بموت من الرعب والوحدة.”
شعرت بالكلمات تخنقني، وحاولت المقاطعة:
— “مريم، أنا كنت أعمى، كنت غبي ومضغوط في الشغل و…”
قاطعتني برفع يدها بلطف ولكن بحسم:
— “عارفة.. وعارفة إن الشغل كان مهربك من البيت اللي مبقاش فيه أطفال. بس الست لما بتحس إن جوزها وسندها بيهرب منها وهي في أشد الحاجة ليه، في حاجة جواها بتموت. أنا لما عرفت إني حامل، الفرحة مشالتنيش، كنت جاية أجري عشان أقولك إن ربنا جبر بخاطرنا، عشان أقولك إن الصمت اللي في بيتنا هينتهي وبيتولد مكانه ضحك ولعب. بس إنت مستنتش يا كريم. أول ما دخلت، رميت كلمتك ومشيت. حسيت وقتها إنك لو عرفت إني حامل وقعدت معايا عشان الطفل، هكون رخيصة في عيني وعينك. كنت عايزة راجل بيحبني أنا، مش بيقعد معايا كحاضنة لطفل كان بيتمناه.”
انهمرت الدموع من عيني دون إرادة مني. ركعت على ركبتي بجوار السرير، وأمسكت بيمينها وضغطت عليها برفق:
— “أنا عمري ما بطلت أحبك يا مريم. السكوت اللي شوفتيه يومها مكنش قلة حب، كان قلة حيلة. كنت حاسس إني عاجز، مش قادر أسعدك ولا قادر أديكي الحلم اللي بتتمنيه، وكنت فاكر بغبائي إن بعادي عنك هو اللي هيريحك. لما شوفتك في الكافيه وبطنك قدامك، الدنيا لفت بيا.. الشك والغيرة والغضب عموني في أول دقيقة، بس لما عرفت الحقيقة من طنط هدى، حسيت إني أصغر إنسان على الأرض. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تكفري عن ذنبي ده. مستعد أبدأ معاكي من الصفر، في المكان اللي تختاريه، وبالطريقة اللي تريحك.”
نظرت إليّ مريم طويلاً، وامتزجت في عينيها مشاعر الحب القديم بالخوف المستقبلي. مسحت دمعة هربت من عينيها وقالت:
— “الرجوع مش بالسهولة دي يا كريم. أنا اتغيرت.. الشهور الخمسة اللي عشتهم لوحدي في طنطا، بعيد عن القاهرة وزحمتها وذكرياتها، غيروني. اتعلمت أعتمد على نفسي، اشتغلت من البيت في تفصيل الملابس وتصميمها مع مشغل صغير هنا، وكنت بجهز نفسي إني أكون أم وأب ليوسف لوحدي. الخوف الجوايا إننا لو رجعنا دلوقتي تحت تأثير العاطفة وصدمة الولادة، نرجع نقع في نفس الغلطات تاني أول ما يوسف يكبر والروتين يرجع يبتلعنا.”
— “مش هيحصل يا مريم.. أنا اتعلمت الدرس، والله اتعلمته بالدم والدموع.”
— “عشان كده يا كريم.. أنا مش هقولك لأ، ومش هقولك آه. إحنا مش هنرجع لبعض دلوقتي. لما أخرج من المستشفى، هرجع شقتي في طنطا مع ماما. يوسف محتاج رعاية خاصة لأنه نزل في السابع، وأنا محتاجة وقت أرتب فيه أفكاري وأشوف إنت فعلاً اتغيرت ولا ده مجرد اندفاع مؤقت. إنت أبو يوسف، ليك الحق تشوفه في أي وقت، وتيجي تزورنا، وتتحمل مسؤوليته معايا خطوة بخطوة.. ومن هنا لحد ما الشهور تعدي، ربنا يقدم اللي فيه الخير.”
برغم أن إجابتها لم تكن الحضن الدافئ والعودة الفورية التي كنت أتمناها، إلا أنها كانت أعدل وأعقل إجابة يمكن أن أسمعها. كانت تمنحني فرصة.. فرصة حقيقية وملموسة لأثبت لها بالفعال لا بالأقوال أن كريم الجديد ليس هو كريم الذي تركها وراءه قبل خمسة أشهر.
قمت وقبلت رأسها باحترام:
— “أنا موافق يا مريم.. ومقنع بكل كلمة قولتيها. شقتك في طنطا، وأنا هفضل في القاهرة لشغلي، بس مفيش نهاية أسبوع، ومفيش إجازة، ومفيش يوم هيفوت من غير ما أكون هنا تحت رجليكي ورجلين يوسف. هثبتلك إن البيت اللي اتهد، هيتبني على أساس أقوى بمليون مرة.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولأول مرة منذ لقائنا في الكافيه، شعرت بأن الأمل لم يعد مجرد سراب، بل أصبح حقيقة نلمسها بأيدينا.
مر أسبوع آخر، وجاء اليوم المنتظر.. يوم خروج مريم ويوسف من المستشفى.
كان يوسف قد تخطى مرحلة الخطر، وسمح الأطباء بخروجه شريطة توفير بيئة معقمة ودافئة له في المنزل، مع متابعة دورية للوزن والتنفس.
أحضرت سيارتي ونظفتها تمامًا، ووضعت فيها مقعد الأطفال الذي اشتريته خصيصًا بأفضل الخامات. ساعدت طنط هدى في حمل الحقائب، بينما كانت مريم تحمل يوسف الملفوف بغطاء قطني أبيض ناعم كالسحاب. كان المشهد في الشارع دافئًا، شمس طنطا اللطيفة كانت تودعنا ونحن نتجه إلى شقتهما الصغيرة في حي هادئ وقريب من وسط المدينة.
الشقة كانت بسيطة للغاية، مكونة من غرفتين وصالة، لكنها كانت ممتلئة بلمسات مريم الإبداعية.. ألوان دافئة، ستائر رقيقة صنعتها بيديها، ورائحة بخور هادئة تملأ المكان. بمجرد دخولنا، وضعت مريم يوسف في سريره الصغير الجديد، وجلست بتعب على الأريكة.
تحولت في الأيام التالية إلى ما يشبه الآلة التي لا تكل ولا تمل. كنت أستيقظ في الخامسة صباحًا في شقتي بالقاهرة، أنهي عملي في الشركة بتركيز مضاعف وسرعة جنونية، وفور انتهاء مواعيد العمل في الرابعة عصرًا، كنت أستقل سيارتي وأقطع الطريق الزراعي متوجهًا إلى طنطا.
أصبحت خبيرًا في كل ما يخص الأطفال المبتسرين؛ أشتري الأدوية بدقة، أحضر الحفاضات الخاصة بالأوزان الصغيرة، وأساعد طنط هدى في إعداد الطعام الصحي لمريم. وفي الليل، عندما كان يوسف يبكي بسبب المغص أو صعوبة النوم، كنت أصر على أن تحظى مريم بقسط من الراحة، وآخذ أنا الصغير في حضني، أتمشى به في صالة الشقة الصغيرة، أهدهده وأغني له بصوت خفيض حتى ينام على صدري.
في تلك الليالي الهادئة، وسط صمت طنطا وصوت أنفاس يوسف الصغيرة، كنت أنظر إلى مريم وهي نائمة في غرفتها وبابها مفتوح جزئيًا، وأشعر بامتنان غامر لله. هذه الشقة الصغيرة، برغم أنني لم أكن أنام فيها بل كنت أعود ليلًا بسيارتي إلى القاهرة أو أنام على الأريكة في الصالة في أوقات التعب الشديد، كانت تبدو لي أكثر دفئًا وأمانًا من كل القصور.
كانت مريم تراقب كل هذا بصمت. تلاحظ الهالات السوداء التي بدأت تظهر تحت عيني بسبب قلة النوم والقيادة اليومية، وتلاحظ كيف أصبحت أتعامل بصبر وهدوء مع كل تفصيلة صغيرة. لم تعد تلك النبرة الحادة تظهر في صوتها، وحل محلها نوع من الود والتقدير الذي يزداد يومًا بعد يوم.
وفي يوم جمعة، بعد مرور شهرين كاملين على خروجهم من المستشفى، كان يوسف قد بدأ يسترد عافيته بشكل ملحوظ، وزاد وزنه وأصبحت عيناه الصغيرتان تلاحقاننا في الغرفة بذكاء وفضول.
كنت جالسًا على الأرض في الصالة، أركب بعض الألعاب الصغيرة التي اشتريتها له للمستقبل، وكانت طنط هدى قد خرجت لزيارة إحدى قريباتها في المدينة. خرجت مريم من المطبخ حاملة كوبين من الشاي بالنعناع، الرائحة الذكية فكرتني فجأة بلقائنا الأول في ذلك الكافيه الصغير.
وضعت الكوبين على المنضدة المنخفضة، وقعدت على الأرض بجواري، على غير عادتها حيث كانت دائمًا تجلس على الأريكة وتترك مسافة بيننا.
— “كريم.. كفاية شغل في الألعاب دي واشرب الشاي وهو سخن.” قالتها بنبرة صوت ناعمة، أعادت لي ذكريات سنواتنا الأولى معًا.
تركت ما في يدي، وأخذت الكوب ونظرت إليها. كانت ترتدي فستانًا منزليًا أنيقًا من صنع يديها، وشعرها كان منسدلاً على كتفيها، وبدت لي أجمل ست رأتها عيني في حياتي.
— “تسلم إيدك يا مريم.. الشاي بالنعناع منك ليه طعم تاني خالص.”
سكتت مريم قليلاً، وهي تقلب كوبها بملعقة صغيرة، ثم رفعت عينيها ونظرت في عيني مباشرة:
— “كريم.. إنت تعبت أوي الشهرين اللي فاتوا دول. السفر كل يوم، والشغل، وقعدتك مع يوسف بالليل.. أنا شفت كل حاجة ومقدرة كل خطوة عملتها.”
— “أنا متعبتش يا مريم.. أنا كنت بتولد من جديد. التعب الحقيقي كان الخمس شهور اللي عشتهم وأنا فاكر إني لوحدي وإني خسرتك. كل خطوة بعملها هنا هي اللي كانت بتديني طاقة أعيش وأشتغل تاني يوم.”
مدت مريم إيدها ببطء، ولأول مرة منذ طلاقنا، وضعت كفها فوق كفي وضغطت عليه برقة:
— “أنا شفت الراجل اللي اتجوزته زمان يا كريم.. شفت الراجل الحنين، الجدع، اللي بيشيل المسؤولية ومبيهربش. يوسف غيرنا إحنا الاثنين، بس إنت غيرت نظرتي ليك تمامًا. الخوف اللي كان جوايا داب وسط تعبك وخوفك علينا.”
بلعت ريقي بصعوبة، وقلبي بدأ ينبض بعنف:
— “يعني إيه يا مريم؟”
أخذت نفسًا عميقًا، وابتسامة ساحرة ارتسمت على شفتيها:
— “يعني يوسف محتاج يكبر في بيته الحقيقي.. بين أبوه وأمه. ومريم محتاجة ترجع لحضن جوزها اللي بيحبها وبتحبه. كفاية غربة لحد كده يا كريم.. وكفاية سفر على الطريق الزراعي كل يوم.”
لم أتمالك نفسي. وضعت كوب الشاي بسرعة، وأخذتها في حضني بقوة، كأني أسترد روحي التي كانت ضائعة في أزقة الدنيا. بكيت وبكت هي الأخرى، لكنها كانت دموع الفرح والراحة بعد رحلة طويلة من الألم والوجع والشك.
وفي نفس اللحظة، جاءنا صوت بكاء صغير من الغرفة المجاورة. استيقظ يوسف ليعلن عن وجوده.
فصلنا الحضن ونحن نبتسم والدموع لا تزال على وجوهنا. وقفت مريم وأمسكت بيدي:
— “يلا بينا.. يوسف مستنينا نجيله سوا.”
دخلنا الغرفة، وحملت يوسف بين يدي، ووقفت مريم بجواري تسند رأسها على كتفي. وفي تلك اللحظة، نظرت إلى صغيرنا وعلمت أن المحنة التي مرت بنا لم تكن إلا بداية جديدة، أقوى وأجمل، لقصة حب كادت أن تنتهي، لكن الله أحياها بروح جديدة.. روح “يوسف”.
استقرت العاصفة أخيرًا، والبيت الذي كان يومًا مجرد جدران باردة يملؤها الصمت، دبت فيه الحياة من جديد، لكن هذه المرة بروح مختلفة تمامًا. لم نعد إلى شقة القاهرة القديمة فورًا؛ اتفقت أنا ومريم أن نمنح أنفسنا فرصة لتطهير المكان من ذكريات الخناقات والهروب. قضينا شهرًا إضافيًا في طنطا، نجهز لعودتنا كعائلة كاملة، نختار تفاصيل بيتنا الجديد معًا، وكأننا عروسان يتزوجان لأول مرة، ولكن مع تفصيلة صغيرة وثمينة غيّرت كل حساباتنا… سرير صغير وهادئ ينام فيه “يوسف”.
في صباح يوم الانتقال، كانت شوارع طنطا تودعنا بنسمة هواء لطيفة. قمت بتحميل آخر الحقائب في السيارة، بينما كانت طنط هدى تقف على باب شقتها وعيناها تلمعان بدموع الفرح والراحة. اقتربت منها، وأمسكت يدها وقبلتها باحترام شديد:
— “مش عارف أشكرك إزاي يا طنط.. وقفتك معايا، وإنك سامحتيني وفتحتيلى بيتك وقلبك تاني، دي دين في رقبتي ليوم الدين.”
ربتت على كتفي بحنان أمهات حقيقي وقالت:
— “يا ابني، أنا ميهمنيش في الدنيا دي كلها غير مريم ويوسف. يوم ما شوفتك بتشيل ابنك وتلف بيه في الصالة الفجر وإنت ميت من التعب، عرفت إن بنتي اختارت صح من الأول، بس الشيطان هو اللي كان دخل بينكم. سافروا بالسلامة يا كريم، وعينك على مرأتك وابنك، البيوت بتتبني بالصبر والمودة، مش بالفلوس ولا بالشغل.”
ركبنا السيارة، مريم بجواري في المقعد الأمامي، وجهها يفيض نضارة وراحة، والصغير يوسف في مقعده بالخلف، يغط في نوم عميق وكأنه يعلم أننا نتجه أخيرًا إلى مستقرنا النهائي. طوال الطريق الزراعي، كانت يدي اليمين تشبك أصابعها مع يد مريم اليسار. لم نكن بحاجة للكثير من الكلام؛ نظراتنا لبعض، والموسيقى الهادئة التي تملأ السيارة، وصوت أنفاس يوسف المنتظمة، كانت كلها لغة جديدة نتعلمها سويًا، لغة الرضا والسكوت الذي لا يحمل حزنًا بل يحمل أمانًا.
وصلنا شقتنا الجديدة في القاهرة، في حي هادئ يطل على مساحات خضراء، بعيدًا عن صخب وسط البلد وضغوطها. الشقة كانت واسعة، مشمسة، وفيها غرفة خاصة ليوسف ملأناها بالرسومات والألوان المبهجة.
مرت الأيام الأولى في بيتنا الجديد كأنها حلم. الروتين القاتل الذي كنت أعيشه بعد الطلاق انهار تمامًا، وحل محله روتين ممتع ومليء بالحركة. أصبحت أستيقظ مبكرًا، لا لأهرب إلى العمل، بل لأساعد مريم في تحضير الرضعة ليوسف، أو لأحمله قليلاً حتى تستطيع هي شرب قهوتها الصباحية بهدوء. في الشغل، تغيرت طريقتي تمامًا؛ لم أعد الموظف الذي يدفن نفسه في المعاملات هربًا من فراغ بيته. أصبحت أنجز مهامي بدقة وسرعة، وفور أن تدق الساعة الرابعة، أجمع أشيائي وأغادر وأنا أشعر بلهفة غريبة، لهفة رجل يعرف أن هناك من ينتظره وراء الباب.
وفي مساء أحد الأيام، بعد أن أتم يوسف شهره الرابع وأصبح يضحك بصوت مسموع يملأ أركان الشقة فرحة، كنت جالسًا في غرفة المكتب الصغيرة التي خصصتها لي مريم في البيت. كنت أراجع بعض التقارير، ودخلت مريم حاملة صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي بالنعناع.. نفس الكوبين ونفس الرائحة التي كانت شاهدة على كل تحولات قصتنا.
وضعت الصينية على المكتب، وسحبت كرسيًا وقعدت أمامي. نظرت إليها بابتسامة:
— “عارفة يا مريم.. الشاي بالنعناع ده بقى بالنسبة لي رمز لكل حاجة حلوة في حياتي. بيفكرني بأصعب لحظة وبأجمل لحظة في نفس الوقت.”
ابتسمت برقة وقالت وهي تتأمل وجهي:
— “أنا جيت أقعد معاك هنا عشان أقولك حاجة يا كريم.. حاجة بقالي فترة بفكر فيها.”
وضعت القلم من يدي وانتبهت لها تمامًا:
— “خير يا حبيبتي؟ اتكلمي.”
— “أنا عايزة أرجع أشتغل.. بس مش من البيت وبس. المشغل اللي كنت بتعامل معاه في طنطا، صاحبته فتحت فرع جديد هنا في القاهرة، وعرضت عليا أكون مديرة خط التصميم والإشراف على الإنتاج. الشغل مش هياخد من وقتي كتير، تلات أيام في الأسبوع وبساعات محددة.. بس أنا حاسة إني محتاجة الخطوة دي عشان أرجع أحس بكياني وبشغفي اللي كان مات زمان.”
نظرت إليها طويلاً. في الماضي، ربما كنت سأعترض أو أتحجج بأن يوسف لا يزال صغيرًا وأن بيتنا يحتاجها. لكن كريم الجديد كان يرى أمامه ستًا مفعمة بالحياة، ستًا قوية نجحت في أصعب اختبار عانته بمفردها، ومن حقها تمامًا أن تحلق وتنجح.
أمسكت يدها وقلت بنبرة مليئة بالفخر:
— “وأنا معاكي وجنبك يا مريم. تلات أيام في الأسبوع؟ اعتبري الأيام دي يوسف بتاعي أنا بالكامل. أنا هرتب مع مديري في الشغل إني أشتغل من البيت في الأيام دي، أو أخد إجازات رعاية. أنا عايز أشوفك ناجحة ومبسوطة، لأن بسطتك ونجاحك هما اللي هينوروا البيت ده.”
لمعت عيناها بدموع الامتنان، وقامت من مكانها لتطوق عنقي بحضن دافئ:
— “ربنا يخليك ليا يا كريم.. إنت بجد بقيت السند اللي كنت دايما بحلم بيه.”
دارت الأيام بسرعة، وأثبتنا سويًا أن الاتفاق والصراحة هما أساس أي نجاح. مريم بدأت شغلها الجديد وتألقت فيه، تصاميمها ولمساتها الفنية بدأت تأخذ صدى واسعًا، وكنت أنا مشجعها الأول، أحضر عروضها الصغيرة، وأفخر بها أمام الجميع. أما أنا، فقد حصلت على ترقية في عملي، لا لأنني كنت أعمل لساعات أطول، بل لأن سلامي النفسي واستقراري الأسري جعلاني أكثر إبداعًا وإنتاجية.
أما يوسف… فقد كان يكبر أمام عيوننا كالنبتة الصالحة. بدأ يخطو خطواته الأولى، يملأ الشقة ركضًا وشقاوة، وصوت ضحكاته كان الترياق الذي يمحو أي تعب أو إرهاق نمر به خلال اليوم.
وفي يوم عيد ميلاد يوسف الأول، قررنا أن نقيم حفلاً صغيرًا في حديقة بيتنا الجديد. جمعنا فيه كل الناس اللي بنحبهم؛ طنط هدى التي جاءت من طنطا محملة بالهدايا والحلويات، وندى صاحبة مريم التي كانت السبب في إنقاذ عائلتنا بوقفتها الشجاعة، وبعض الأصدقاء المقربين والزملاء.
الحديقة كانت مزينة بالبالونات الملونة، وصوت أغاني الأطفال يملأ المكان. كان يوسف يرتدي بدلة صغيرة تشبه بدلتي تمامًا، ويركض بين أحضان جدته وأصدقائنا وهو يضحك.
كنت واقفًا على مسافة قريبة، أراقب هذا المشهد وعقلي يعود بي إلى الوراء.. إلى خمسة عشر شهرًا مضت. تذكرت ليلة الطلاق الباردة، تذكرت جلستي وحيدًا في الشقة الميتة، وتذكرت اللحظة الفارقة في ذلك الكافيه الصغير عندما رأيت بطن مريم الكبيرة وشعرت بأن الأرض تسحب نفسها من تحت رجلي. كم كان الشك مؤلمًا، وكم كان الوجع عميقًا، لكن لطف الله وحكمته جعلا من تلك المحنة القاسية وسيلة لنولد من جديد.
اقتربت مريم مني، كانت ترتدي فستانًا أبيض رائعًا من تصميمها، وشعرها يتطاير مع نسمات الهواء. وقفت بجواري ونظرت إلى حيث أنظر، ثم شبكت يدها في يدي.
— “بتفكر في إيه يا أبو يوسف؟” سألتني بنبرة مليئة بالحنان.
التفتُّ إليها، ونظرت في عينيها اللتين لم يعد الحزن ساكنًا فيهما، بل حل محله بريق الفرح والأمل:
— “بفكر في رحلتنا يا مريم.. بفكر في الكافيه الصغير، وفستانك الباهت، وكوباية الشاي اللي كانت بترعش في إيدك. بفكر إزاي ربنا أنقذنا من نفسنا، وإزاي يوسف جيه الدنيا دي مش بس عشان يكون ابننا، عشان يكون طوق النجاة اللي رجعنا لبعض.”
نزلت دمعة فرح رقيقة من عينيها، فمسحتها بإصبعي برفق. وقالت بصوت هامس:
— “الماضي مات يا كريم.. بكل وجعه ودموعه وسكوته. إحنا النهاردة بنحتفل ببدايتنا الحقيقية. يوسف كمل سنة، وبيتنا كمل سنة من الحب والصراحة والأمان.”
في تلك اللحظة، ركض يوسف نحونا، وارتمى بين أرجلنا وهو يرفع يديه الصغيرتين طالبًا أن نحمله. انحنيت أنا ومريم في نفس الوقت، وحملناه سويًا ليكون بين أحضاننا نحن الاثنين. ضممناه إلينا بقوة، ونظرنا إلى السماء وقلوبنا تلهج بالحمد والشكر.
انتهت فصول الحكاية القديمة، الحكاية التي كادت أن تنتهي بالخراب والفرقة، وبدأت من هنا حكاية جديدة تمامًا.. حكاية عائلة تأسست على الوجع فصارت أقوى من أن تكسرها الأيام، عائلة عنوانها الحب، وسندها الصدق، ونورها الصغير “يوسف”.
