كانت واقفة قدام باب شقة صحبتها
كانت واقفة قدام باب شقة صحبتها ، قلبها بيدق…لسه هتخبط، و إيدها مرفوعة…وفجأة…سمعت اللي صدمها…؟
= تعرفي يا ماما… إستبرق صاحبتي بتحب زين خطيبي.
الكلمة نزلت على إستبرق زي السكي..نة. وقفت مكانها، نفسها اتقطع، و سندت ضهرها على الحيطة من غير ما تحس….
أم رحمة ردّت باستغراب:
— إيه الكلام ده؟ أكيد لا… إستبرق عمرها ما تبص لخطيبك، دي بنت محترمة.
رحمة ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة فيها حاجة غريبة:
— ما أنا عارفة، بس حسّيت يعني…
لسه أمها هترد…رنّ التليفون.
رحمة قالت بسرعة:
— ده زين، خطيبي… هقوم أرد وأرجع أكملك.
في اللحظة دي…إستبرق ما استحملتش.
لفّت بهدوء، ونزلت السلم خطوة خطوة، كإن كل درجة كانت بتاخد منها حتة.
خرجت من العمارة ومشيت…مشيت من غير ما تعرف هي رايحة فين….
مشيت والدموع محبوسة في عينها، والوجع قافل على قلبها بإيده.
فضلت تمشي…تمشي…لحد ما لقت نفسها واقفة قدام الكورنيش…….
الهوا كان تقيل، والبحر قدامها ساكت، كإنه فاهم.
وقفت تبص قدامها، وشها شاحب، وعينيها مليانة حكايات ما اتقالتش.
حبيب عمرها…بقى خطيب صاحبتها.
وصاحبتها…..حاسّة، وساكتة، ومكمّلة.
وهي؟…واقفة في النص.
لا عارفة تصرخ، ولا عارفة تنسى، ولا عارفة تمشي من غير ما قلبها يفضل هناك.
فضلت واقفة…الهدوء ده كان أسوأ من أي دوشة، لأنه سيّب عقلها فاضي… فالأفكار هاجمت.
فضلت باصة قدّامها، بس مش شايفة حاجة.
كانت بتسأل نفسها أسئلة ملهاش إجابات، أو يمكن ليها بس هي مش قادرة تتحملها.
طب هي….هي لما كانت عارفة إن زين متقدّم لها؟
كانت عارفة؟ ولا حاسة؟ ولا عاملة نفسها مش واخدة بالها؟
سكتت لحظة… وبعدين سؤال تاني ضربها في قلبها.
طب أنا لو كنت مكانها؟….لو عرفت إن صاحبتي بتحب الشخص اللي جاي يتقدملي؟
كنت هوافق؟
الإجابة جت بسرعة، قاسية، من غير تفكير:
لأ….لأ لو بحبه.
لأ لو مقدّراه…..لأ لو لسه فيها ذرة صاحبة.
طيب…يمكن هي بتحبه؟….ما هو يتحب فعلًا…
شكله، حضوره، هدوءه…..يمكن أنا مش الوحيدة اللي شافته بعيني.
الفكرة وجعتها أكتر من الغدر نفسه….إنه ماكنش بتاعها من الأول…..إنه كان اختيار… وهي كانت مجرد متفرّجة.
وقفت فترة مش حاسة بالوقت….ولا بالناس اللي بتمشي حواليها…..ولا بالعربيات……ولا بالدنيا.
لحد ما صوت جه من وراها، صوت مألوف على غير توقيته:
على فكرة… أنا مكتوبلي أعكسك والله.
لفّت ببطء، باستغراب….عينها وقعت عليه… يعقوب.
بصتله بنظرة تعب أكتر من ضيق، وقالت بملل:
— هو أنا ما ورايش غيرك؟
ابتسم، ابتسامة خفيفة كده، وقال:
— حظك ونصيبك يا جميلة.
وبعدين كمل وهو بيبص عليها:
— واقفة شايلة طاجن ستّك كده ليه؟ فيه إيه؟
اتنفست بعصبية، وردّت بنرفزة:
— وإنت مالك؟
وإنت إيه اللي جابك موقفك جنبي وبتنحشر في اللي مالكش فيه؟
ضحك، ضحكة هادية ما استفزّتهاش، بالعكس… لخبطتها.
— خلصتي؟ مالك بقى؟
ردّت بسرعة:
— مالك إيه؟ أنا كويسة أهو.
بصّ لها شوية:
— مستغربة.
سكتت.
هو كمّل بهدوء:
— وبعدين؟
إنتِ زعلانة ليه قوي كده؟
شدّت نفسها، وقالت بنبرة دفاع:
— وإنت عايز تعرف ليه؟
يعني إنت لاحظت إني مش كويسة إزاي؟
اتنهد وقال بصدق غريب:
— تصدقيني لو قلت لك…
أنا حاسس إني أعرفك كويس أوي.
الكلمة وقعت تقيلة…..مش لأنها حب…..لكن لأنها فهم.
فضلت باصاله شوية، نظرة طويلة، كأنها بتشوفه لأول مرة بجد….
وبعدين قالت بهدوء:
— عن إذنك… عشان اتأخرت.
هز راسه بابتسامة صغيرة:
— إذنك معاكي.
ومشيت…..بس المرّة دي….. ما مشيتش هربانة.
مشيت وهي أول مرة تحس إن في حد شاف وجعها
من غير ما يكون سبب فيه.
——————————-
رجعت البيت وقعدت شوية، بتحاول تهرب من التفكير، من الذكريات، من الصورة اللي بقت واضحة زيادة عن اللزوم.
فضلت سرحانة لحد ما صوت الموبايل قطع الصمت.
رنّة واحدة.
وبعدين سكت…وبعدين رن تاني.
بصّت في الشاشة.
رحمة.
قعدت ثانيتين تبص للاسم….ضغطت رد.
– ألو؟
– إنتِ فين يا بنت؟ بقالي كام يوم مش سامعة صوتك!
صوت رحمة كان عادي…..عادي زيادة عن اللزوم.
– كنت مشغولة شوية.
– مشغولة؟! ده أنا صاحبتك!
ضحكت بخفة وأضافت:
– ولا عشان بقيت مخطوبة خلاص نسيتيني؟
إستبرق حاولت تضحك…ما طلعتش.
– لا طبعًا.
– طيب بصي، أنا خارجة بكرة وكنت عايزاكي تيجي معايا نشتري شوية حاجات… ونخرج كده، بقالنا كتير ما خرجناش سوا.
سكتت إستبرق شوية.
– طيب… هأستأذن بابا وأكلمك.
قفلت….قعدت دقيقة …وبعدين قامت.
باباها كان قاعد، أول ما شافها لاحظ الشحوب اللي في وشها، بس ما علّقش…..قالتله إنها خارجة مع رحمة.
هز راسه بهدوء:
– اطلعي غيري، وما تتأخريش.
—لا انا هروح بكره بس قولت اعرفك دلوقتي؟
–تمام.
دخلت أوضتها ونامت وصحيت تاني يوم صلت،
لوبست لبس بسيط، لا فيه روح،بس كان ذوق.
كلمت رحمة….
– خلصت.
– قشطة، نتقابل في الكافيه بتاعنا.
قفلت…..وأخدت نفس طويل.
وصلت الكافيه بدري شوية…..قعدت في الركن اللي دايمًا بيقعدوا فيه…..طلبت عصير… وما شربتش.
وفجأة…الباب اتفتح.
دخلت رحمة…..بس مش لوحدها.
كانت ماسكة إيد زين…..
إستبرق حسّت كأن حد خبطها في صدرها بمطرقة.
الصورة اللي كانت بتحاول تهرب منها…
جت لحد عندها.
رحمة كانت بتضحك…..زين كان بيتكلم.
الاتنين شكلهم طبيعي…..طبيعي قوي.
إستبرق قامت تقف من غير ما تحس.
عينيها اتعلّقت بالإيدين الممسوكين.
الإيد اللي كانت بتحلم تمسكها…
بقت ملك غيرها رسمي.
رحمة شافتها، ومسكة ايدو اكتر،وقالت بسرعة:
– إستبرق! إنتي جيتي بدري!
زين بصّ لها.نفس النظرة….اللي ما فيهاش حاجة غير احترام بارد….
– إزيك يا أنسة إستبرق؟
هزّت راسها:
– الحمد لله.
قعدوا….الكلام كان تقيل…..كل كلمة بتيجي بصعوبة.
رحمة كانت بتحاول تبقى لطيفة زيادة….وزين كان طبيعي…
يمكن طبيعي أكتر من اللازم.
وإستبرق؟…..كانت موجودة بجسمها بس….روحها كانت برّه، في مكان تاني.
وفجأة فهمت. مش بس إن زين مش نصيبها…
لكن كمان إن الرحلة لسه طويلة. وإن الوجع…
لسه ما خلصش…..
قعدوا شوية،….والوقت بيعد تقيل، واستبرق ملاحظاهم.
رحمة كل شوية تميل على زين ، تهمس في ودنه، تضحك،
تلمس إيده…..
مش هزار عفوي…لا.
كان مقصود….وكان باين.
وفجأة…كرسي اتسحب جنب آستبرق……!!!!!
لايـــك و 5 كومنتـــات بتـــم 👍 و أستلـــم بـــاقي القصــــة كـــاملـــة بالترتيــب أجزاءهــا فــي التعليـــقات 👇🎁اتلفتت إستبرق بسرعة…
ولقت يعقوب واقف جنبها، لابس نفس الابتسامة المستفزة الهادية اللي بقت تحفظها.
قال وهو يقعد: — مساء الخير يا جماعة… واضح إني جيت في الوقت المناسب.
رحمة اتفاجئت: — يعقوب؟! إنت بتعمل إيه هنا؟
رفع كتفه ببساطة: — كافيه في مكان عام، مش محتاج دعوة يعني.
وبعدين بص لإستبرق: — مش هتعرفيني على أصحابك؟
إستبرق كانت متلخبطة… مش عارفة تفرح بوجود حد أنقذها من الموقف ولا تتضايق من دخوله المفاجئ.
قالت بهدوء: — دي رحمة… صاحبتي. وده زين… خطيبها.
يعقوب مد إيده لزين: — اتشرفت.
زين صافحه وهو مركز في عينه: — وأنا كمان.
لحظة صمت غريبة عدّت بينهم… كأن كل واحد بيحاول يقرأ التاني.
رحمة ابتسمت ابتسامة مصطنعة: — وإنت بقى تبقى إيه لإستبرق؟
قبل ما إستبرق ترد، يعقوب قال: — أنا؟
وبص لإستبرق بثبات: — واحد ما بيحبش يشوفها زعلانة.
الكلمة وقعت على الكل.
رحمة اتغير وشها للحظة… وزين لأول مرة من ساعة ما دخل، ملامحه اتشدت.
إستبرق بصت ليعقوب بدهشة: — إنت بتقول إيه؟
ابتسم: — الحقيقة.
وبعدين قرب صوته: — من يوم ما شوفتك وإنتِ دايمًا بتحاولي تبيني إنك قوية… بس عيونك بتفضحك.
رحمة قطعت الكلام بسرعة: — طب ما دام لقيتي اللي يخرجك ويونسِك، أنا وزين عندنا مشوار.
لكن وهي بتقوم، بصت لإستبرق نظرة سريعة… فيها حاجة من القلق.
خرجت هي وزين.
وسابوا وراهم صمت طويل.
إستبرق كانت بتبص قدامها، وبعدين قالت: — إنت ماكنش لازم تعمل كده.
يعقوب هز رأسه: — عارف.
— أمال عملته ليه؟
سكت شوية… وبعدين قال: — لأن اللي حصل النهاردة كان مقصود.
رفعت عينها له: — قصدك إيه؟
— قصدك إيه؟ إنتِ فعلًا مش واخدة بالك؟
سكتت. قلبها بدأ يدق بسرعة.
يعقوب كمل: — رحمة عارفة كل حاجة… وأكتر مما إنتِ متخيلة.
وفجأة… رن موبايل إستبرق.
بصت للشاشة…
ووشها اصففر.
الاسم اللي ظهر كان:
زين.
رغم إنه خرج مع رحمة من ثواني… إلا إنه كان بيتصل بيها وحدها.
ردت بإيد مرتعشة: — ألو؟
وجالها صوته من الناحية التانية:
— لازم أقابلك دلوقتي… لأن في حاجة رحمة ما قالتلكيش أبدًا… وهي السبب الحقيقي إنني اتقدمت لها مش ليكي.
يتبع…اتجمدت إستبرق في مكانها…
بصّت للموبايل كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
— إيه اللي بتقوله ده يا زين؟
جالها صوته متردد لأول مرة: — مش هينفع أقول في التليفون… قابليني عشر دقايق بس، وبعدها لو قررتِ ما تشوفينيش تاني، هاحترم قرارك.
رفعت عينيها، لقت يعقوب باصصلها باستغراب.
— في إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت: — زين… عايز يقابلني.
ملامح يعقوب اتغيرت، بس حاول يفضل هادي: — وإنتِ هتروحي؟
سكتت.
هي مش عايزة تشوفه… لكنها محتاجة تعرف الحقيقة.
قالت: — هروح أسمع وبس.
هز راسه: — ماشي… بس خدي بالك من نفسك.
مشت ناحية المكان اللي حدده زين، وقلبها بيخبط كأنها رايحة لمواجهة مع ماضيها.
وصلت لحديقة صغيرة جنب الكورنيش.
كان واقف مستنيها، أول ما شافها قام.
لثواني… رجع لها نفس الإحساس القديم.
لكنها ق..تلته بسرعة.
قالت ببرود: — عندك خمس دقايق.
اتنهد زين: — أنا عرفت إنك بتحبيني قبل ما أتقدم لرحمة.
نزلت الكلمات عليها كالصاعقة.
— مين قالك؟
بص بعيد: — رحمة.
اتسعت عينيها: — رحمة؟!
— قالتلي إنك متعلقة بيا من بعيد، وإنك حساسة، وإن أي اهتمام مني ممكن يخليكي تفتكري إن فيه حاجة بينا… وطلبت مني أتعامل معاكي رسمي عشان ما أديكيش أمل.
إستبرق رجعت خطوة لورا.
— لا… رحمة مستحيل تعمل كده.
طلع زين تليفونه وفتح تسجيل صوتي.
صوت رحمة خرج واضح:
“أنا عارفة إن إستبرق بتحبك… بس لو عرفت إنك معجب بيها هتبعد عني، وأنا مش هسمح بكده.”
إستبرق حسّت إن الأرض بتميد بيها.
— معجب بيا؟
بص لها زين بعينين مليانين ندم: — أيوه… أنا كنت معجب بيكي الأول.
الدموع اتجمعت في عينيها.
— يبقى ليه؟
سكت شوية، وكأنه بيجمع شجاعته.
—اتجمدت إستبرق في مكانها…
بصّت للموبايل كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
— إيه اللي بتقوله ده يا زين؟
جالها صوته متردد لأول مرة: — مش هينفع أقول في التليفون… قابليني عشر دقايق بس، وبعدها لو قررتِ ما تشوفينيش تاني، هاحترم قرارك.
رفعت عينيها، لقت يعقوب باصصلها باستغراب.
— في إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت: — زين… عايز يقابلني.
ملامح يعقوب اتغيرت، بس حاول يفضل هادي: — وإنتِ هتروحي؟
سكتت.
هي مش عايزة تشوفه… لكنها محتاجة تعرف الحقيقة.
قالت: — هروح أسمع وبس.
هز راسه: — ماشي… بس خدي بالك من نفسك.
مشت ناحية المكان اللي حدده زين، وقلبها بيخبط كأنها رايحة لمواجهة مع ماضيها.
وصلت لحديقة صغيرة جنب الكورنيش.
كان واقف مستنيها، أول ما شافها قام.
لثواني… رجع لها نفس الإحساس القديم.
لكنها قت؟؟؟لته بسرعة.
قالت ببرود: — عندك خمس دقايق.
اتنهد زين: — أنا عرفت إنك بتحبيني قبل ما أتقدم لرحمة.
نزلت الكلمات عليها كالصاعقة.
— مين قالك؟
بص بعيد: — رحمة.
اتسعت عينيها: — رحمة؟!
— قالتلي إنك متعلقة بيا من بعيد، وإنك حساسة، وإن أي اهتمام مني ممكن يخليكي تفتكري إن فيه حاجة بينا… وطلبت مني أتعامل معاكي رسمي عشان ما أديكيش أمل.
إستبرق رجعت خطوة لورا.
— لا… رحمة مستحيل تعمل كده.
طلع زين تليفونه وفتح تسجيل صوتي.
صوت رحمة خرج واضح:
“أنا عارفة إن إستبرق بتحبك… بس لو عرفت إنك معجب بيها هتبعد عني، وأنا مش هسمح بكده.”
إستبرق حسّت إن الأرض بتميد بيها.
— معجب بيا؟
بص لها زين بعينين مليانين ندم: — أيوه… أنا كنت معجب بيكي الأول.
الدموع اتجمعت في عينيها.
— يبقى ليه؟
سكت شوية، وكأنه بيجمع شجاعته.
— لأن رحمة قالتلي إنها بتحبني من سنين، وإن رفضي ليها هيكسرها… ولما شفت إنك عمرك ما قلتي حاجة، افتكرت إن إعجابي بيكي مجرد وهم.
ضحكت إستإستبرق اتجمدت مكانها.
بصّت ليعقوب اللي كان متابع تعابير وشها، وكأنه فهم إن المكالمة دي مش عادية.
قال بهدوء: — في إيه؟
إستبرق بلعت ريقها: — زين… عايز يقابلني.
اتشدّ وش يعقوب لحظة، بس رجّع هدوءه: — وهتروحي؟
سكتت.
كانت عارفة إن أي خطوة جاية ممكن تغيّر حاجات كتير.
قالت بصوت واطي: — لازم أعرف الحقيقة.
قام يعقوب وقال: — تمام… أوصلك.
— لا، مش لازم.
— مش بسألك.
بصت له بضيق خفيف: — إنت دايمًا كده متحكم؟
ابتسم: — لا… بس لما يبقى في حد رايح يقابل ماضيه وهو مكسور، مينفعش يروح لوحده.
الكلمة لمست حاجة جواها، لكنها ما ردتش.
بعد نص ساعة…
كانت واقفة في الحديقة اللي اتفقوا عليها.
زين كان مستنيها، أول ما شافها اتقدم ناحيتها.
— شكرًا إنك جيتي.
قالت ببرود: — قول اللي عندك.
اتنهد زين: — أول مرة شوفتك فيها… كنت معجب بيكي.
قلبها دق رغمًا عنها.
— بس أبويا كان رافض فكرة الجواز من واحدة لسه بتكمل تعليمها، وفي نفس الوقت رحمة كانت قريبة من عيلتنا… وأهلها شجعوا الموضوع.
إستبرق عقدت حاجبيها: — يعني اخترت الأسهل.
سكت.
وسكوته كان اعتراف.
قال: — كنت فاكر إن الإعجاب هيختفي، وإن رحمة هتبقى زوجة مناسبة.
ضحكت بمرارة: — وافتكرت تقول لي ده دلوقتي بعد ما خطبت صاحبة عمري؟
— لأن رحمة كانت عارفة.
اتسعت عيناها: — عارفة إيه؟
— عارفة إني كنت معجب بيكي قبلها.
رجعت خطوة لورا.
كل كلامها القديم، وكل نظرات رحمة، وكل تمسكها بإظهار حبها قدامها… بدأ ياخد معنى تاني.
— ليه عملت كده؟
قال زين بحزن: — سألتها نفس السؤال.
— قالتلك إيه؟
تنهد: — قالت إنها طول عمرها كانت بتحس إنك دايمًا أحسن منها… في الدراسة، في جمالك، في حب الناس ليكي… ولما عرفت إن الشخص اللي معجب بيكي ممكن يبقى ليها هي، اعتبرت ده أول مرة تكسبك فيها.
نزلت دمعة من عين إستبرق.
مش عشان زين.
لكن عشان صداقتها اللي كانت فاكرة إنها حقيقية.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات وراها.
لفّت…
وكانت الصدمة.
رحمة كانت واقفة هناك.
وعينيها كلها دموع.
وقالت بصوت مرتعش:
— هو ده اللي قالهولك عني؟ طيب ليه ما قالكش الحقيقة كلها يا إستبرق؟
نظرت إستبرق لزين بصدمة…
لأول مرة، شافت الخوف في عينيه.
وقال زين بسرعة: — رحمة… اسكتي.
لكن رحمة مسحت دموعها وقالت:
— لأ… النهاردة كل حاجة هتتقال. والسر اللي مخبيه زين هو اللي هيقلب كل حاجة.
يتبع…سكت المكان كله.
حتى صوت الهوا حواليهم بقى كأنه اختفى.
إستبرق بصّت بين رحمة وزين، وقلبها بيدق بعنف.
— إيه السر؟
زين قرب خطوة: — رحمة، أرجوك…
لكن رحمة رفعت إيديها وقالت بوجع: — لأ يا زين… كفاية. طول الوقت أنت بتطلع نفسك الضحية، وأنا الشريرة.
اتجهت بنظرها لإستبرق: — آه… أنا غلطت. آه، كنت غيرانة منك في حاجات كتير. بس عمري ما سرقت حد منك.
إستبرق قالت بصدمة: — يعني إيه؟
أخذت رحمة نفسًا عميقًا.
— يعني زين ما كانش معجب بيكي زي ما قال.
سكتت لحظة، ثم أكملت: — هو كان بيكلمك فعلًا، وكان مهتم بيكي… بس لما حس إنك بتبادليه نفس الشعور، هو اللي خاف واتراجع.
زين صرخ: — كدب!
رحمة طلعت من شنطتها ظرف قديم.
— فاكر ده؟
اتغير لون وش زين.
إستبرق أخدت الظرف بإيد مرتعشة، فتحته…
وكانت الصدمة.
خطاب مكتوب بخط زين.
“إستبرق… أنا معجب بيكي، بس مش مستعد أدخل في علاقة دلوقتي. عشان كده بفضّل أبعد قبل ما أتعلق أكتر.”
عينيها وسعت.
كان التاريخ مكتوب من سنة.
قبل ما زين يتقدم لرحمة بشهور.
بصّت له وهي مش مصدقة: — أنت كنت عارف إني بحبك… وقررت تمشي؟
نزل زين عينيه.
— كنت خايف.
ضحكت بمرارة: — خايف؟ ولا كنت عايز تبقى مع اللي الظروف أسهل معاها؟
ما ردش.
وده كان أقسى رد.
رحمة قالت بصوت مكسور: — لما هو بعد عنك، أنا كنت موجودة. قرب مني، واتكلمنا، ومع الوقت حبيته. أنا ما دخلتش حياتكم وإنتوا سوا.
إستبرق كانت حاسة إن الدنيا كلها بتتغير قدامها.
زين مش البطل اللي كانت راسماه في خيالها.
ورحمة مش الشريرة الكاملة اللي تخيلتها.
الكل غلط.
الكل خاف.
والكل خبّى الحقيقة.
في اللحظة دي، رن موبايل إستبرق.
بصّت للشاشة.
يعقوب.
الاسم الوحيد اللي لما ظهر… حسّت إنها أخيرًا قادرة تتنفس.
ردّت بهدوء: — ألو؟
صوته جه قلق: — إنتِ كويسة؟
بصّت لزين… ثم لرحمة…
وقالت لأول مرة من قلب هادي:
— لا… بس هبقى كويسة.
ابتسم يعقوب في الطرف التاني: — حلو. يبقى تعالي… أنا مستنيكي.
سكتت.
— مستنيني فين؟
ضحك ضحكة خفيفة: — في نفس المكان اللي قابلتك فيه أول مرة… عند الكورنيش.
وقبل ما تقفل، قال جملة خلتها تقف مكانها:
— بالمناسبة… في حاجة أنا كمان مخبيها عنك من زمان.
إستبرق اتجمدت.
بعد كل الأسرار والخيانات…
هل يعقوب كمان كان عنده سر؟
يتبع…إستبرق فضلت ماسكة الموبايل، وعينيها ثابتة قدامها.
بعد كل اللي حصل… كلمة “سر” بقت تخوفها.
قالت بحذر: — سر إيه يا يعقوب؟
ضحك بخفة: — لا، مش هقوله في التليفون… تعالي بس.
قفلت المكالمة، وبصت لزين ورحمة.
لأول مرة من سنين، ما حسّتش إنها عايزة تسمع تبرير من حد.
قالت بهدوء: — أنا محتاجة أمشي.
رحمة قربت منها: — إستبرق… أنا…
رفعت إيدها بهدوء: — مش دلوقتي يا رحمة. يمكن يوم أقدر أسامحك، ويمكن لأ… بس دلوقتي محتاجة أبعد.
بصت لزين: — وأنت… شكراً إنك قلت الحقيقة، بس الحقيقة دي جات متأخرة.
مشت وسابتهم واقفين.
المرة دي ما كانتش بتهرب.
كانت بتختار نفسها.
وصلت الكورنيش.
كان يعقوب واقف مكانه المعتاد، ماسك كوب قهوة وبيبص للبحر.
أول ما شافها قال: — اتأخرتي.
قالت بتعب: — يومي كله كان متأخر.
ابتسم ومد لها كوب القهوة التاني: — عارف.
بصت له باستغراب: — عارف؟
هز راسه: — كنت عارف إن زين هيكلمك.
اتسعت عينيها: — إزاي؟
سكت لحظة، وبعدين قال: — لأن زين صاحبي.
الكلمة نزلت عليها كصدمة جديدة.
رجعت خطوة لورا: — إيه؟
— أنا وزين أصحاب من زمان… وهو أول واحد حكالي عن البنت اللي عجباه، وعن البنت اللي ما قدرش ياخد خطوة معاها.
همست: — تقصدني؟
هز راسه.
— وبعدها بفترة حكالي إنه اتخطب لرحمة، وإنه حاول ينسى.
إستبرق قالت بوجع: — يعني كنت عارف كل حاجة… وفضلت تتقرب مني؟
قال بهدوء: — لأ. كنت عارف إنك موجوعة، وكنت عارف إنك تستحقي حد يسمعك من غير ما يطلب منك حاجة.
سكت لحظة، وبعدين ابتسم: — بس في حاجة ما كنتش عارفها.
— إيه هي؟
قرب خطوة، وعينه فيها صدق غريب:
— إن البنت اللي كنت بحاول أساعدها… هتبقى أكتر واحدة أخاف عليها في حياتي.
قلبها دق بسرعة.
لكنها رجعت خطوة وقالت: — يعقوب… أنا لسه خارجة من وجع كبير. مش عايزة أدخل في قصة جديدة لمجرد إني مكسورة.
ابتسم باحترام: — وعشان كده أنا بحترمك.
سكت، ثم أكمل:
— أنا مش جاي أخد مكان زين. ولا جاي أخليكِ تنسيه. أنا هفضل جنبك لحد ما تختاري بنفسك… حتى لو اختيارك ما كانش أنا.
لأول مرة من أيام طويلة…
إستبرق ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
لكن في نفس اللحظة…
رن موبايل يعقوب.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
إستبرق لاحظت: — مين؟
حاول يقفل بسرعة: — مفيش.
لكنها لمحت الاسم قبل ما يقفل.
“مريم… زوجتي.”
اتجمدت ملامح إستبرق.
وبصت له بصدمة: — زوجتك؟!
رفع يعقوب عينه ليها… وعرف إن السر اللي كان بيهرب منه… وصل أخيرًا.
وقال بصوت منخفض:
— أقدر أشرح…
يتبع…إستبرق ضحكت ضحكة صغيرة… لكنها كانت مليانة صدمة أكتر من أي حاجة.
— تشرح إيه يا يعقوب؟ تشرح إنك كنت واقف بتقولي إنك خايف عليا… وإنك معجب بيا… وإنت متجوز؟
يعقوب غمّض عينيه لحظة، كأنه كان مستني اللحظة دي من أول يوم.
— معاكِ حق تزعلي. وحقك تمشي كمان. بس اسمعيني دقيقة واحدة بس.
هزّت راسها بمرارة:
— غريبة… كل الرجالة في حياتي عايزة “دقيقة واحدة” بعد ما كل حاجة تبوظ.
الكلمة وجعته.
لكن ما ردش.
طلع موبايله وفتح صورة، ومدّه لها.
إستبرق بصّت.
ست جميلة، في الثلاثينات، مبتسمة… وفي حضنها طفل صغير.
رفعت عينها له:
— دي مراتك وابنك؟
هز راسه بالنفي.
— دي أختي مريم… وابنها آدم.
سكتت إستبرق.
— أختك؟
— أيوه. وسجلتها في موبايلي “زوجتي”.
استغربت:
— ليه تعمل حاجة زي دي؟
اتنهد وقال:
— لأن مريم اتطلقت من سنين بعد جواز مؤذي جدًا، وجوزها السابق كان لسه بيحاول يضايقها ويتتبع أخبارها. كنت بحط اسمها كده عشان لما أكون في شغلي أو وسط ناس فضوليين محدش يدخل في حياتها ويسأل مين دي وليه بتكلمني طول الوقت.
سكت لحظة وبعدين كمل:
— يمكن كانت طريقة غبية… وأنا غلطان إني ما قلتلكيش من الأول.
إستبرق فضلت تبص له.
لأول مرة من النهارده… لقت إن الصدمة دي مختلفة.
مفيهاش خيانة.
فيها سوء فهم.
قالت بهدوء:
— أنا تعبت يا يعقوب.
قرب خطوة، لكنه وقف مكانه وما لمسهاش.
— عارف.
— تعبت من إن كل مرة أفتكر إني عرفت الحقيقة، ألاقي في حاجة مستخبية وراها.
ابتسم بحزن:
— يبقى خلينا نبدأ بحاجة جديدة… مفيهاش أسرار.
قبل ما ترد…
رن موبايلها.
بصّت للشاشة.
رحمة.
سكتت شوية.
يعقوب قال:
— ردي.
— مش عايزة أسمع كلام.
قال:
— يمكن المرة دي مش جاية تبرر.
ردت.
وجالها صوت رحمة… لكن مش زي كل مرة.
كان صوتها مكسور ومرعوب.
— إستبرق… إلحقيني.
اتشد قلبها.
— في إيه؟
ردّت رحمة وهي بتبكي:
— زين… عمل حادثة.
اتسعت عيون إستبرق.
وبعد ثانية واحدة… جالها صوت رجل غريب أخد التليفون من رحمة وقال:
— حضرتك قريبة الأستاذ زين؟ إحنا في المستشفى، وفي حاجة لازم تعرفوها قبل ما يدخل العمليات…
وسكت.
الكلمة اللي قالها بعدها… خلت إستبرق تقع منها التليفون.
— المريض كان معاه جواب باسم الآنسة إستبرق.
يتبع…لو حبيتي أكمّل الجزء اللي بعده، ابعتي “كمل”.إستبرق وقفت مكانها، ووشها فقد لونه.
جواب؟ باسمها هي؟
بعد كل اللي حصل… وبعد كل الأسرار اللي انكشفت… إيه اللي ممكن يكون زين كاتبه ليها؟
مسكت التليفون بإيد مرتعشة:
— أنا جاية حالًا.
قفلت وبصت ليعقوب.
قال بهدوء:
— أوصلك.
المرة دي ما اعترضتش.
طول الطريق للمستشفى، كانت ساكتة.
رحمة قاعدة في دماغها، وزين، والجواب… وكل حاجة اتلخبطت من تاني.
وصلوا.
كانت رحمة واقفة قدام أوضة العمليات، وشها غرقان دموع.
أول ما شافت إستبرق، قامت بسرعة.
وقفت قدامها… لكن لأول مرة ما كانش فيها تحدي ولا غيرة.
كان فيها خوف.
قالت:
— أنا آسفة.
إستبرق بصت لها، وسكتت.
مش لأن السماح حصل… لكن لأن الوقت مش وقت حساب.
طلع الدكتور بعد شوية.
قال:
— العملية هتاخد وقت، لكن حالته مستقرة دلوقتي. لقينا معاه ظرف مكتوب عليه “لإستبرق… لو حصلي حاجة”.
حسّت قلبها بيتقبض.
أخدت الظرف.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحه.
وكان أول سطر فيه:
“إستبرق… لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا خسرت آخر فرصة إني أقولك الحقيقة بعيني.”
نزلت دمعة منها.
كمل الخط:
“أنا ظلمتك مرتين… مرة لما بعدت عنك من غير ما أقول السبب الحقيقي، ومرة لما رجعت أقول الحقيقة بعد ما بقيت مرتبط بحد تاني.”
“يمكن كنت جبان، ويمكن كنت بخاف أخسر رضا أهلي، أو أخاف من اختيار مش مضمون.”
“بس أكبر غلطة عملتها… إني سيبتك تفتكري إنك ما كنتيش كفاية.”
إستبرق شهقت.
كملت القراءة:
“إنتِ كنتِ دايمًا كفاية… يمكن أكتر مما أستحق.”
رحمة كانت واقفة تسمع، وكل كلمة كانت بتكسرها.
وفجأة كمل الجواب:
“رحمة مش ملاك… بس مش شيطان. هي أخطأت، وأنا أخطأت، واللي حصل بينكم جزء كبير منه سببه خوفي وسكوتي.”
قفلت إستبرق الجواب.
بكت.
مش حبًا في رجوعه.
لكن حزنًا على قصة كان ممكن تكون مختلفة لو كان كل واحد صريح من البداية.
في اللحظة دي…
باب العمليات اتفتح.
وخرج الطبيب.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال:
— الحمد لله… زين فاق.
رحمة انهارت من البكاء وجريت ناحيته.
إستبرق فضلت واقفة مكانها.
وبصت لآخر شخص واقف جنبها.
يعقوب.
كان ساكت… ما طلبش منها تختاره، ولا سألها إذا كانت لسه بتحب زين.
بس كان موجود.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
لكن فجأة…
جاءت ممرضة بسرعة وهي بتسأل:
— مين فيكم الأستاذة إستبرق؟
لفّت لها.
— أنا.
قالت الممرضة:
— في واحد برا المستشفى بيسأل عليكي من ساعة ما وصلتي… وبيقول إنه والدك، بس شكله متوتر جدًا، وبيقول إن لازم يشوفك حالًا لأن في حاجة حصلت في البيت.
اتسعت عينا إستبرق.
— بابا؟ حصل إيه؟
الممرضة هزت رأسها:
— ما قالش… بس كان بيقول جملة واحدة طول الوقت…
“قولوا لإستبرق تيجي بسرعة… أختها عرفت الحقيقة.”
تجمدت إستبرق مكانها.
أختها؟
أي حقيقة تانية لسه مستخبية؟
يتبع…إستبرق حسّت إن رجليها مبقتش شايلها.
— أختي؟! أختي عرفت إيه؟
الممرضة هزت راسها:
— والله يا آنسة ما أعرف… هو بس كان في حالة خوف شديد.
بصت إستبرق ليعقوب.
— لازم أروح.
قال فورًا:
— وأنا معاكي.
رحمة قربت منها، لأول مرة من غير أي حواجز:
— طمنيني لما تعرفي إيه اللي حصل.
إستبرق بصتلها لحظة طويلة… وبعدين هزت راسها بهدوء:
— حاضر.
خرجت من المستشفى بسرعة، ولقت أبوها واقف بره، وشه شاحب وعينيه مليانين قلق.
جريت عليه:
— بابا! في إيه؟ مالها أختي؟
مسك إيديها وقال:
— اركبي العربية… وهقولك في الطريق.
— لأ، قولّي دلوقتي.
تنهد أبوها، وكأن الكلام تقيل على قلبه:
— أختك لقت صندوق قديم في المخزن… صندوق كان بتاع أمك.
اتسعت عيون إستبرق.
أمها ماتت وهي صغيرة، وكل ذكرياتها عنها كانت كام صورة وكلام قليل من أبوها.
— صندوق إيه؟
قال بصوت منخفض:
— صندوق أنا كنت مخبيه.
الصدمة ظهرت على وشها.
— مخبيه؟ ليه؟
سكت لحظة، ثم قال:
— لأن اللي جواه كان ممكن يغيّر نظرتكم لأمكم.
ركبت العربية وهي مش قادرة تستوعب.
وصلوا البيت.
كان فيه هدوء مرعب.
دخلت جري.
ولقت أختها الصغيرة قاعدة على الأرض، والدموع مغرقة وشها، وفي حضنها شوية أوراق وصور قديمة.
— مريم!
رفعت أختها عيونها وقالت:
— ليه يا بابا؟ ليه خبيت عننا كل ده؟
إستبرق أخدت ورقة من الأرض.
كانت رسالة مكتوبة بخط أمها.
“لو بنتي الكبيرة بتقرأ الرسالة دي… يبقى جه الوقت تعرف الحقيقة.”
شهقت إستبرق.
كملت القراءة:
“إستبرق… يمكن طول عمرك افتكرتِ إن أمك ماتت وهي راضية عن حياتها… لكن الحقيقة إن في سر أخفيته عن الجميع.”
إستبرق حست قلبها بيتقبض.
“قبل ما أتجوز أبوكي… كنت مخطوبة لشخص آخر… وكنت أحبه جدًا.”
نظرت إستبرق لأبوها بصدمة.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
“وفي اليوم اللي قررت أختار فيه والدك… كنت حاملًا.”
سقطت الرسالة من يد إستبرق.
سكت البيت كله.
أبوها أغمض عينيه بألم.
وأختها همست:
— يعني… إحنا مش بنات بابا؟
رفع الأب رأسه بسرعة، والدموع في عينيه.
وقال:
— لا… الحقيقة أعقد من كده بكتير.
وبعدين نظر إلى الباب…
لأن شخصًا طرقه في هذه اللحظة.
شخص لم يكن من المفترض أن يعود أبدًا.
يتبع…تجمد الجميع في مكانه.
الطرق على الباب اتكرر مرة تانية… أبطأ، لكنه أثقل.
إستبرق بصّت لأبوها.
أول مرة في حياتها تشوف الخوف بالشكل ده في عينيه.
همست:
— مين اللي بره يا بابا؟
ما ردش.
فضل واقف مكانه كأنه رجع سنين لورا.
أختها مريم قامت وهي بتمسح دموعها:
— أنا هفتح.
صرخ الأب بسرعة:
— لأ!
الكل اتفاجئ من صوته.
لكن بعد لحظة، هدي وقال:
— خليكوا ورايا.
مشى ناحية الباب، وإيده بترتعش وهو بيفتحه ببطء.
وأول ما الباب اتفتح…
وقع نظره على رجل كبير في السن، شعره مليان شيب، وعينيه فيها نفس النظرة الموجودة في الصور القديمة اللي كانت مع الرسائل.
الرجل همس:
— فات الأوان يا ليلى… بس أنا رجعت أوفي بوعدي.
إستبرق اتقدمت خطوة:
— حضرتك مين؟
الرجل بص لها، والدموع لمعت في عينيه.
— أنا سامح… خطيب أمك الأول.
سكت المكان.
مريم شهقت.
الأب نزل عينيه للأرض.
أما إستبرق فسألت بصوت مرتعش:
— يعني… أنت أبويا؟
هز الرجل رأسه بسرعة:
— لا.
الجميع اتفاجأ.
كمل سامح:
— وده أكبر سر أبوكي أخفاه عنكم… هو أنقذ سمعة أمكم، ورباكم كأنكم بناته، رغم إنه كان يعرف الحقيقة كاملة.
إستبرق بصت لأبوها، والدموع في عينيها:
— الحقيقة إيه؟
أبوها أخذ نفسًا طويلًا وقال:
— أمكم كانت حامل فعلًا… لكن مش منكوا أنتم.
اتسعت أعينهم.
— كانت حامل بولد.
وقع الصمت.
— وبعد ما اتجوزتها، قررت أربي الطفل على إنه ابني، وماحدش يعرف حاجة.
إستبرق همست:
— يعني… كان لينا أخ؟
أومأ برأسه والدموع تنزل على خده:
— أيوه… كان ليكم أخ اسمه يوسف.
مريم بكت:
— كان؟
نظر الأب لسامح.
وسامح أخرج صورة قديمة من جيبه وقال:
— لأنكم طول السنين دي فاكرين إنه مات…
رفع الصورة أمامهم.
شاب في أواخر العشرينات، واقف مبتسمًا.
وقال سامح:
— لكنه عايش.
وقبل ما حد ينطق…
رن جرس الباب مرة تانية.
نظروا كلهم باستغراب.
سامح ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— أظن… هو وصل.
توجهت كل العيون نحو الباب.
والأب همس:
— يوسف…
يتبع…توقّف الزمن للحظة.
إستبرق كانت حاسة إن قلبها هيخرج من مكانه.
أخ؟!
أخ كانوا فاكرين إنه مات… وطلع عايش طول السنين دي كلها؟
بصّت لأبوها، لقت دموعه نازلة لأول مرة قدامهم.
قالت بصوت مكسور:
— يعني… كل السنين دي كنت عارف إنه عايش وما قلتلناش؟
هز رأسه بأسى:
— لا يا بنتي… أقسم بالله ما كنتش أعرف.
سامح أخفض عينه وقال:
— أنا اللي خبيت الحقيقة.
الكل بصّ له بصدمة.
كمل:
— يوم ما ولدت ليلى يوسف، الظروف كانت صعبة جدًا. كنت مطارد بسبب مشاكل قديمة وخفت إن حياتنا كلها تتدمر. واحد من أقاربي سافر بيوسف بعيد وربّاه على إنه ابنه… وقال للناس إن الطفل مات.
إستبرق قالت بغضب:
— وإنت سكت كل السنين دي؟
نزلت دموعه:
— كنت بدور عليه. كل سنة، كل شهر… لحد ما لقيته من كام أسبوع.
في اللحظة دي…
اتفتح الباب ببطء.
دخل شاب طويل، ملامحه هادية، لكن عينيه كانت مليانة توتر.
وقف قدامهم، وبص لكل الوجوه اللي شبهه والغريبة عنه في نفس الوقت.
همس:
— أنا… يوسف.
مريم جريت ناحيته بدون تفكير، حضنته وهي بتعيط.
أما إستبرق فضلت واقفة.
مش قادرة تتحرك.
مش لأنها مش فرحانة…
لكن لأن عقلها لسه بيحاول يستوعب إن شخصًا كان مجرد حكاية في رسالة… بقى واقف قدامها دلوقتي.
يوسف قرب منها وقال بابتسامة حزينة:
— إنتِ إستبرق؟
هزّت رأسها.
قال:
— أمي كانت بتكتب عنك في رسائلها.
تجمدت.
—