خيانة الابن حكايات انجى الخطيب

ابننا الوحيد حبسنا انا وابوة في الاوضة اللي تحت السلم ! قالنا انتوا كبرتوا وخرفتوا وبقيتوا تكسفوني قدام الناس … بس مكنش يعرف إن اللي لقيناه ورا الحيطة بتاعة الاوضة دي هيبوظ خطته كلها!
​باب الاوضة اتقفل فوق دماغنا بقوة، وسمعنا صوت القفل وهو بيتقفل على الباب، زي صوت ترباس قبر . وبعدها صوت ابني “إسلام” جه من ورا الباب وقال : “أمضي يا أمي على ورق البيت، غير كدة خليكي إنتي وأبويا تحت لحد ما تفتكروا مين صاحب البيت دلوقتي”
ومفيش اكل ولا ماية الا لما تنفذوا اللي انا عايزة
بفيت مصدومة من جحود ابني الوحيد اللي مكنتش بحرمة من اي حاجة وكنا بنفضلة علينا في كل حاجة ونقول هو اهم …
​جوزي “حسني” كان قاعد بهدوء على جردل دهان مقلوب، بيحاول ياخد نفسه بصعوبة، صدره تعبان. وهو عنده 71 سنة، كان باين عليه الضعف لدرجة خلت “إسلام” يفتكر إننا خلاص بقينا عاجزين.. وده كان أول غلطة يغلطها إسلام.
​وجع قلبي من تصرفه كان أصعب بكتير من زقة إيده. إسلام اللي كان طول عمره بيمشي ورا أبوه في الورشة، بيترجاه يمسك أي عدة في إيده. إحنا اللي دفعنا مصاريف دراسته، وسدينا ديونه بعد كل مشروع فاشل يعملة ويخسر فيه، وفتحنا له باب بيتنا بعد كل خيبة أمل. ولما شفته النهاردة واقف بيتفرج على أبوه وهو بيقع بعد ما زقه من غير ما يمد إيده يساعده، فهمت أخيراً إن ده مش ضيق حال، دا طمع وقسوة، ومراته “مروة” هي اللي علمته دا و سموا افعالهم دي “خطة ذكية”.
​تاني غلطة عملها إسلام، إنه دخل مراته “مروة” بيتنا.
#انجي_الخطيب
​بقاله 6 شهور وهمنا إن قعدتهم معانا “مؤقتة”. دخلوا بشنط هدومهم وفواتيرهم اللي مديونين بيها، ودموع التماسيح. مروة كانت تمدح في طبيخي الصبح، وبالليل تصور ورقنا ومستنداتنا. إسلام كان بياخد ابوه لدكاترة، ويسأل الممرضين بهدوء عن “ذاكرته”. وكل ما أعترض، يضحكوا في وشي.
​إسلام يقولي: “إنتي بقيتي موسوسة يا أمي”.
ومروة تبتسم وهي ماسكة كاس العصير: “الكبار دايماً بيتهيأ لهم إن حد بيسرقهم”.
​الصبح، حطوا ورقة تنازل عن البيت على ترابيزة المطبخ. الورقة بتنقل ملكية البيت، والأرض اللي جنبه، وورشة حسني، باسم إسلام.
قال ببرود: “بنرتب أمورنا يا جماعة”.
​حسني قرا الورقة سطر سطر، وبعدين زق القلم بعيد.
وش إسلام اتغير، قناع “الابن البار” وقع. مسك إيد حسني بعنف، ومروة خطفت الموبايل من إيدي، وزقونا الاتنين على سلم البدروم.
​دلوقتي، وسط الضلمة، سامعة صوتهم وهما بيجروا العفش فوق .
همست في ودن حسني: “هيزوروا الإمضاء يا حسني.. هيعملوا إيه؟”
​حسني بص للحيطة البعيدة، اللي مرصوص عليها برطمانات مغطيها تراب 40 سنة.
قال بصوت واثق: “لأ.. هيحاولوا بس مش هيعرفوا لازم يمضينا احنا “.
طلع إيده من جاكتته وطلع مفتاح نحاس صغير.
​بصيت للمفتاح بذهول: “إيه ده؟”
رد وقال: “بقالي 39 سنة، بجهز لليوم اللي ممكن حد من دمي يختار فيه الطمع على حساب أهله”.
​الجملة دي بردت دمي أكتر من رطوبة الاوضة اللي تحت السلم .
حسني راح ناحية حيطة الطوب اللي ورا الأرفف. عد سبع صفوف لفوق، وتسع طوبات بالعرض، وضغط بإبهامه على فاصل الإسمنت. طوبة اتحركت من مكانها.
​وراها كان فيه خرم مفتاح حديد.
​فوق، سمعت ضحكة مروة وهي بتقول: “أول ما الأوراق تتسجل، مش هيعرفوا يعملوا أي حاجة”.
​حسني دخل المفتاح في الفتحة.
جزء من الحيطة اتحرك بصرخة معدنية مكتومة.
وفجأة، الضلمة اللي ورا الحيطة اتفتحت وفي نور ظهر منها …
#انجي_الخطيب
نور خافت طالع من جوه الحيطة، نور لمبة قديمة كان كفيل يكشف لنا حاجة عمرنا ما كنا نتخيل وجودها. حسني زق الطوبة الكبيرة اللي كانت عاملة زي الباب المداري، والحيطة اتفتحت تماماً عن سرداب صغير جداً، مفروش بورق ومستندات، وفي نصه “خزنة” حديد قديمة متصممة بطريقة هندسية عبقرية جوه الحيطة نفسها. بصيت لحسني ودموعي في عيني، كنت فاكرة إني عارفة كل أسراره، بس الراجل اللي واقف قدامي ده كان شايل في قلبه وجع سنين. مد إيده للخزنة، وبحركة سريعة ومحترفة، لف القرص الحديدي يمين وشمال، تكه ورا تكه، لحد ما سمعنا صوت “تكة” القفل وهو بيفتح. فتح الخزنة وطلع منها ملف جلده مهري، وورقة صفرا مكتوب فيها بخط الإيد: “عقد الملكية الحقيقي”. همس حسني بصوت مخنوق: “البيت ده يا أم إسلام، مش بس طوب وزلط، ده عمر، وأنا من يوم ما اشتريت الأرض دي وأنا حاسس إن إسلام مش هيقدر قيمة التعب. كنت خايف من اليوم ده، بس مكنتش متخيل إنه هيجي من ابني. الورقة اللي إسلام فاكر إنها أصل البيت، دي مجرد نسخة تانية أنا عملتها من سنين، بس مفيش فيها ‘ختم الشهر العقاري’ الأصلي، الختم الحقيقي محفور على صك الملكية ده، ولو حاولوا يزوروا إمضتي، الورقة دي هتكون دليلي ضدهم، وهتكون هي اللي هتحبسهم بدل ما يحبسونا”. سمعنا صوت خطوات مروة وإسلام فوق، جايين ناحية باب الأوضة تاني، وصوت مروة بيعلي وهي بتقول بدلع مسموم: “يا إسلام، سيبك منهم، ساعة كمان وهتلاقيهم هما اللي بيخبطوا عشان يخرجوا ويخلصونا، مفيش قدامهم حل تاني”. حسني بص لي، وابتسامة غريبة ظهرت على وشه، ابتسامة حد مستعد للمواجهة، وقال لي: “استخبي ورايا، والمرة دي، إحنا اللي هنحط الخطة”. خبط إسلام على الباب بقوة وقال: “ها يا بوي، قررت؟ ولا ناوي تباتوا في العتمة؟” حسني بدل ما يرد، مسك عصايته اللي كان مستند عليها، وبص للحيطة اللي فتحت طريق جديد غير اللي كنا متخيلينه، طريق بيطل على منور البيت الخلفي اللي مروة وإسلام مكنوش يعرفوا عنه حاجة. سحبني من إيدي، دخلنا السرداب، ورجع قفل الحيطة من جوه، والضلمة ابتلعتنا تاني، بس المرة دي كان في إيد حسني نور الحقيقة اللي هيحرق كل طمعهم. مشينا في ممر ضيق وبارد، ريحة رطوبة ومكان مقفول، لحد ما بدأنا نسمع صوت زقزقة عصافير، وبان قدامنا ضوء شمس حقيقي من فتحة تهوية قديمة بتطل على الشارع العمومي.. حسني وقف، مسك إيدي وبص في عيني بصلابة: “يالا يا أم إسلام، المعركة بدأت، والنهارده إسلام هيعرف إن اللي زرع الشوك مياكلش منه تمر”. طلعنا من فتحة التهوية ووقفنا في الشارع، والبيت قدامنا بيترج من صوت إسلام وهو بيصرخ جوه عشان يفتح لنا الباب ويلاقينا اختفينا، سحبني حسني ناحية قسم الشرطة، وفي إيده الملف اللي هيرجع لنا كرامتنا اللي ابني استرخصها، وهناك، كان لازم إسلام يواجه نتيجة “خبطته” و”خطة مروة” في وشهم هما الاتنين.
……..
دخلنا القسم، وكان “حسني” ماشي بخطوات ثابتة رغم تعبه، كأنه استرد شبابه في اللحظة دي. قعدنا قدام الظابط، وحسني طلع الملف من تحت الجاكت، وبصوت هادي وموزون حكى كل حاجة؛ من أول ما بدأنا نحس بتغير إسلام ومراته، لحد حبسنا في أوضة تحت السلم، ومحاولتهم للاستيلاء على أملاكنا. الظابط كان بيسمع بتركيز، ولما شاف المستندات الأصلية والختم الموثق، ملامح وشه اتغيرت، وطلب من أفراد القوة التحرك فوراً للبيت.
​ركبنا بوكس الشرطة، وقلبي كان بيدق زي الطبلة، خايفة ومتحمسة في نفس الوقت. لما وصلنا البيت، كان إسلام ومروة واقفين في الجنينة، مروة بتشرب قهوة ببرود، وإسلام كان بيحاول يكسر قفل الأوضة اللي تحت السلم عشان يروح يكمل “تمثيلية” الضغط علينا. أول ما شافوا بوكس الشرطة نازل منه أبوه وأمه ومعاهم أمين شرطة، وش إسلام اتخطف، والقهوة وقعت من إيد مروة على الأرض.
​نزل إسلام وبدأ يتلعثم: “يا باشا.. ده.. ده سوء تفاهم، دول أهلي، كنت بس.. كنت بنصحهم!”، قاطعه الظابط بحدة وهو بيوريه مذكرة البلاغ: “نصح إيه يا بني؟ فيه محضر رسمي باحتجاز وتعرض وتزوير أوراق ملكية. اتفضلوا معانا”.
​مروة حاولت تتدخل وتصرخ: “يا عمي، إحنا ولادك! ده إسلام ابنك الوحيد، إنت هترمي ابنك في السجن عشان حتة ورق؟”، بص لها حسني نظرة واحدة كانت كفيلة تسكتها، قال بصوت مخنوق من الوجع والكسرة: “ابني مات من يوم ما فكر إنه يحبس أبوه وأمه عشان قرشين. الورق ده مش حتة ورق، ده تعب وعرق سنين كان بيحمي ظهري، إنتي وإسلام خنتوا الأمانة، والبيت ده كان بيتكم، دلوقتي بقى شاهد على خيانتكم”.
​الشرطة خدتهم، وإسلام كان بيبص لي بعيون مكسورة، مش عارف يطلب السماح ولا يبرر، بس عينه كانت بتقول إنه فعلاً كان فاكرنا “خرفنا” ومستحيل نعرف نتحرك ضده. شفتهم وهما بيدخلوا عربية الشرطة، وحسيت بوجع كبير، بس كان معاه راحة غريبة.. إن “الخطة الذكية” اللي رسموها لنفسهم، كانت هي الحفرة اللي وقعوا فيها.
​دخلنا البيت، كان هادي جداً، ريحة الخيانة كانت لسه موجودة، بس الأمان رجع لمكانه. حسني قعد على كرسيه القديم، مسك صورة عيلتنا اللي كان إسلام لسه طفل فيها، وبكى بصمت. مكنش بيبكي على البيت، ولا على الورشة، كان بيبكي على التربية اللي ضاعت، وعلى الابن اللي باع أهله بكلمتين من مراته.
​وقفت جنبه، مسحت على شعره وقلت له: “يا حسني، إحنا اللي بنينا البيت ده طوبة طوبة، والبيت ده هيفضل ملكنا، وهنبدأ صفحة جديدة، حتى لو كانت الصفحة دي من غير إسلام”. هز راسه، وبص للحيطة اللي كانت مخبية سرنا سنين، وقال: “يا أم إسلام، الطمع بيعمي، بس الحق دايماً له صاحب، والحمد لله إننا كنا أقوى من أي خطة.. لأننا كنا بنبني بأصلنا، مش بمصلحتنا”.
​من اليوم ده، البيت رجع هادي، بس كان هدوء فيه طعم المرارة والدرس القاسي اللي عمرنا ما هننساه.
………
الأيام اللي بعد كده عدت عليّ كأنها سنين، البيت كان واسع وفاضي بطريقة توجع القلب، كل ركن فيه بيفكرني بإسلام وهو صغير، بضحكته، بشقاوته، وبخيبتنا فيه لما كبر. كان بيجيلي جوابات من المحامي، جلسات، ومواجهات في النيابة، كنت بروح وأنا مدفونة جوايا ألف غصة، كل ما عيني تيجي في عين إسلام في قفص الاتهام، كنت بشوف فيه نسخة مشوهة من اللي ربيناه، مروة كانت دايماً بتبصلي بنظرة تحدي وكإنها لسه مقتنعة إنها مظلومة وإن “حظها وحش”، ولا كأنها هي اللي كانت بتدبر المكائد واحنا في بيتها.
​في واحدة من الجلسات، القاضي نطق بالحكم، الحبس لسنة على إسلام ومروة بتهمة التزوير والشروع في النصب والاحتجاز. اللحظة دي كانت أصعب لحظة في حياتي، سمعت صرخة إسلام وهو بيتنقل للمرحلة الجاية، ومن وسط الصخب ده كله، مفيش غير نظرة حسني اللي كانت ثابتة، مكنش فيها شمتان، كان فيها نظرة “أب” بيودع روح ابنه اللي ماتت قبل جسده.
​لما رجعنا البيت بعد الحكم، حسني دخل الورشة، شال الغطا عن المكن القديم، مسك العدة اللي بقاله شهور مش بيلمسها، وبدأ يشتغل.. صوت خبط الشاكوش في الحديد كان بيملأ البيت، صوت كان بيطمني إن الحياة لسه فيها نبض. جيت أسأله: “ناوي على إيه يا حسني؟” سكت لحظة، وبص لي وعينيه مليانة دموع متحجرة وقال: “ناوي أكمل اللي بدأته، البيت ده مش هيتباع، والورشة هتفضل مفتوحة، هطلع منها صدقة لروح إسلام، يمكن ربنا يغفر له ويرجعهولنا بني آدم تاني بعد ما يقضي مدته، يمكن القعدة ورا القضبان توعّيه إن اللي بيبني بيته على طمع غيره، بيتهد فوق دماغه”.
​ومن يومها، اتغيرت حياتنا تماماً، قلوبنا اللي انكسرت بدأت تلملم نفسها، بقيت أشوف حسني بيطلع كل يوم الصبح، بيرجع آخر النهار، ملامحه لسه شايلة تعب السنين، بس نظرة عينه فيها طمأنينة. أنا كمان بدأت أفتح شبابيك البيت، أهوي الضلمة اللي كانت متمكنة مننا، وبقيت أجهز الأكل في المطبخ، وأنا بدعي في سري، مش بس لنفسنا، بس لإسلام.. إن “الخطة الذكية” اللي رسمها لنفسه تكون كانت أول خطوة في طريق الندم، وإن الطوبة اللي شلناها من الحيطة عشان نكشف الحقيقة، تكون هي نفسها الطوبة اللي هتأسس لحياة جديدة لينا، حتى لو كانت حياة من غير إسلام في الوقت الحالي.
​القصه دي علمتنا إن البيوت مش مجرد حيطان، البيوت مودة ورحمة، ولو المودة اتسحبت، الحيطان بتبقى مجرد سجن، حتى لو إنت اللي بنيته بدم قلبك. بقيت دلوقتي لما أقعد تحت السلم، ببتسم للحيطة، وبقول لروحي: “الستر بيبدأ من النية، والظلم آخره ضلمة، بس الحق.. الحق دايماً بيفضل منور، زي النور اللي خرج من ورا الطوبة دي”.
………..
الزمن بيمر والوجع بيتحول لندبات بتعلمنا إزاي نعيش مع الذكرى من غير ما ننهار، عدت الشهور وإسلام ومروة قضوا مدتهم، اليوم اللي خرجوا فيه كان يوم تقيل، كنت حاسة بإحساس متلخبط، مش عارفة أستقبلهم بإيه، والبيت اللي كان في يوم من الأيام مليان ضحكاتهم، بقى دلوقتي حيطان صامتة بتشهد على انكسارنا.
​حسني كان قاعد في الورشة، بيصلح قطعة نحاس قديمة، مكنش باين عليه أي انفعال، بس إيده كانت بترتعش بسيط، لدرجة إنه ساب الشاكوش لما سمع صوت خبط على باب البيت. قمت وفتحت، وكان إسلام ومروة واقفين، شكلهم اتغير كتير، الوش اللي كان دايماً عليه غطرسة مروة بقى باهت، وإسلام اللي كان دايماً فارض سيطرته، كان واقف كاسر عينه، مش عارف يبص في وشي.
​دخلوا البيت، قعدوا في الصالة، ساد صمت رهيب، مروة مكنتش قادرة تنطق، وإسلام كان بيفرك في إيديه، بصلي وقال بصوت مخنوق: “يا أمي.. أنا عارف إني بوظت كل حاجة، وعارف إن اللي عملته ميتغفرش، بس السجن علمني إن السند اللي كنت فاكره “مروة” وخططها، كان هو الغلطة اللي خلتني أخسر أغلى حاجة عندي.. انتوا”.
​حسني طلع من الورشة، وقف قصادهم، وبص لإسلام نظرة طويلة، وقال بصوت حكيم: “البيت ده يا إسلام مكنش محتاج ورقة ملكية عشان تبقى ابني، كان محتاج منك “أصل”، أنت خرجت من هنا طماع، ورجعت دلوقتي خسران كل حاجة، مش بس البيت، دول ثقتنا فيك، الثقة دي زي القزاز، لو اتكسر، صعب يرجع سليم تاني”.
​إسلام نزل على ركبة أبوه، ودموعه بدأت تنزل، مكنش تمثيل، كان انكسار حقيقي لشاب اكتشف متأخر إن أهله هما الحيطة المايلة اللي كانت شايلاه، وإن “الخطة الذكية” كانت في الحقيقة “أغبى” تصرف في عمره. مروة كانت واقفة ورا، ملامحها مفيهاش غير الندم، بس كان ندم المتأخر، الندم اللي مش بيمحي أثر السنين ولا الوجع.
​قلبي كأم، رغم كل اللي حصل، بدأ يرق، مش عشان هما اتغيروا فجأة، لكن لأني شفت في عين إسلام لمحة ابني اللي ربيته، مش “الوحش” اللي صنعته القسوة، قلتلهم بصوت هادي: “إحنا مش هنرجع زي زمان في يوم وليلة، ولا البيت هيفتح بابه ليكم كأن شيئاً لم يكن. إسلام.. إنت ابننا، والدم ميبقاش مية، بس المكان ده له حرمة، والحرمة دي اتداس عليها. ابدأ حياتك من جديد، اشتغل، اعتمد على نفسك، والوقت هو اللي هيقول إذا كنت لسه تستحق تكون جزء من البيت ده ولا لأ”.
​إسلام قام، وبص لأبوه، وباس إيده، وخرج من البيت من غير ولا كلمة زيادة، ومروة مشيت وراه، ولقيتهم سابوا وراهم باب البيت مفتوح، بس مش مفتوح للرجوع، مفتوح لبداية طريق جديد.
​النهارده، بعد مرور سنين تانية، إسلام بيجي يزورنا كل فترة، بيشتغل في ورشة تانية بعيد عننا، وبدأ يبني حياته من أول وجديد، بجهده وتعبه، مفيش “خطط ذكية”، ومفيش “طمع”. لسه الوجع موجود، ولسه الحيطة اللي ورا السلم بتفكرني باللي حصل، لكن الستر دايم، والحقيقة اللي طلعت من ورا الطوبة دي، هي اللي خلتنا نعيش مرفوعي الرأس، لإننا عرفنا إن مهما طال الظلم، فيه شمس بتطلع، وفيه درس بيتعلموا الإنسان، لو كان قلبه لسه فيه مكان للرجوع للحق.
………
بمرور السنين، مابقاش إسلام هو الابن اللي بيحاول يقتحم حياتنا بالطمع، ولا إحنا بقينا الضحايا اللي مستنيين الضربة الجاية. الأمور مابقتش زي ما كانت، والجروح خفت، لكن ندوبها فضلت موجودة بتفكرنا إن فيه لحظة في حياتنا الدنيا قلبت فيها كياننا.
​في يوم جمعة، شمس الخريف كانت دافية، وإسلام خبط على الباب. المرة دي مكنش داخل بشنط هدوم ولا بوعود كدابة، كان داخل بإيدين خشنة من الشغل، وشايل في إيده كيس فاكهة بسيط، وطفل صغير مشي خطواته الأولى في حياتنا بحذر. لما دخل وشاف أبوه “حسني” قاعد في ركنه المعتاد في الورشة، ساب ابنه يروح لجده، وقف هو بعيد، عينيه كانت بتلمع بندم حقيقي مفيش فيه رتوش.
​حسني ممدش إيده يسلم عليه فوراً، بس بص للطفل اللي بيحاول يركب خشب الورشة، وبص لإسلام وقال بصوت متهدج: “الورشة دي علمتنا إن الحديد بيتصلح بالنار، بس القلوب لو اتكسرت.. بتفضل محتاجة عمر كامل عشان تلحم تاني يا إسلام”. إسلام قرب، وباس إيد أبوه اللي كان في يوم من الأيام بيحاول يزقها عشان يورثه وهو حي، وقال بصوت خافت: “أنا مش طالب سماح يمسح اللي فات، أنا جاي عشان أعرف ابني يعني إيه كلمة ‘أصل’، وأوريه إن فيه طوبة في البيت ده لو شالها، هيلاقي وراها قصة حياة مش قصة خيانة”.
​أنا كنت واقفة بتابع المشهد من بعيد، حسيت إن الدوايرة اللي قفلها الزمن بدأت تتفتح من جديد، بس بشكل أنضف وأطهر. مروة مكنتش معاه، كانت اختارت طريقها البعيد، وإسلام ربي ابنه بعيد عن طمعها، كأنه بيحاول يغسل ذنبه في عيون ولده.
​قعدنا كلنا في الصالة، البيت اللي كان سجن لينا في يوم من الأيام، بقى بيستقبل حفيدي الصغير وهو بيضحك، وكأن الحيطان اللي كانت شاهدة على قسوتنا، بقت دلوقتي شاهدة على توبتنا كلنا. قمت دخلت الأوضة اللي تحت السلم، فتحت الباب اللي كان “ترباس قبر”، لقيت مكان الطوبة اللي كنا بنفتحها لسه أثرها موجود، حطيت إيدي عليها وابتسمت لروحي، وقلت: “يا رب، زي ما طلعت النور من ورا الحيطة دي، طلع النور في قلب كل ابن ضل الطريق، وخلي بيوتنا دايماً عامرة بالستر، مش بالورق والمستندات”.
​خرجت لقيت حسني وإسلام بيصلحوا قطعة خشب سوا، ومن غير كلام كتير، عرفت إن الخيط اللي اتقطع بين الأب وابنه، ابتدى يتربط تاني، مش زي الأول، لكن أقوى.. لأن المره دي، الرباط مش خيط عادي، ده رباط مبني على درس قاسي، وتجربة خلتنا نعرف إن أغلى حاجة بنملكها مش الورشة ولا الأرض، هي “الأصل” اللي بيخلينا نقدر نبص في عيون بعض ونقول: إحنا لسه بخير.
​القصة انتهت، بس الحكاية لسه مكملة في كل بيت بيتعلم إن القوة في الحق، وإن أغلى ميراث ممكن نسيبه لأولادنا هو “الضمير”، مش “الورق”.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *