انا عروسه جديدة 3
فتحت عيني ببطء، لقيت نفسي في أوضة بيضا، ريحة البنج والمطهرات مالي المكان، وفي إيدي خراطيم ومحاليل متعلقة. حاولت أتحرك بس حسيت بوجع رهيب في أسفل بطني كأن في سكاكين بتقطع فيا. صرخت بصوت ضعيف ومكتوم: “ابني.. ولادي فين؟”.
الباب اتفتح بسرعة ودخل قاسم، وشه كان دبلان وعينيه منفوخة من كتر العياط، وجري عليا مسك إيدي وبدأ يبوسها وهو بيعيط بحرقة ويقول: “سامحيني يا نهى.. أنا ظلمتك، أنا كنت هضيعك بأيدي.. سامحيني يا حبيبتي”.
بصيت له ودموعي نزلت، ومسكت في قميصه بقوة وقولتله: “ولادي يا قاسم.. الجنينين حصلهم إيه؟ النزيف اللي كان نازل مني ده إيه؟”.
قاسم بلع ريقه وبص في الأرض، وفي اللحظة دي دخل الدكتور اللي كان متابع حالتي في المستشفى، وقال بنبرة هادية بس مليانة أسى: “الحمد لله على سلامتك يا مدام نهى.. الوجع والنزيف اللي حصلوا لك كانوا نتيجة صدمة عصبية شديدة أدت لإجهاض كيس الحمل الصغير اللي كان في الشهر الأول.. الجنين ده مكنش ليه نصيب يعيش وسط الضغط ده كله ونزل.. لكن الحمد لله، قدرنا ننقذ الجنين الأولاني اللي في الشهر الخامس، النبض بتاعه استقر وحالته ثبتت، بس لازم تفضلي تحت الملاحظة وممنوع الحركة تماماً”.
غمضت عيني وأنا حاسة بكسرة قلب؛ خسرت طفل كان ممكن يكون ابن قاسم وحبنا، وفضل في بطني طفل تاني شايل ذنب جريمة ووجع ملوش آخر.. طفل جه للدنيا نتيجة غدر من أخ وخسة من جدة.
بصيت لقاسم وقولتله بصوت مخنوق: “أنت لسه هنا ليه؟ مش أنا في نظركم خاينة؟ مش أمك قالت إني…”
قاسم حط إيده على بوقي وهو بيبكي: “أرجوكِ متكمليش.. أمي اعترفت بكل حاجة في النيابة يا نهى. الست اللي كنت فاكرها أمي وبتحميني، طلعت شيطانة.. اعترفت إنها هي اللي خططت لكل حاجة؛ حطتلك المخدر وسابت أحمد يدخل عليكِ عشان تثبت عليه جناية وتكسر عينه وتخليه تحت طوعها، ولما رفض يديها الفلوس برضه، سممته بالزرنيخ ولما مات خافت الجريمة تتكشف، فاستنت لحد ما بطنك تبدأ تظهر وتلبسك القضيتين مع بعض.. الخيانة والقتل! النيابة أفرجت عنك بضمان محل إقامتك وطلعتِ بريئة تماماً من قضايا القتل والخيانة”.
سكت شوية وعينيه مليانة انكسار وكمل: “أنا طلبت من المحامي يرفع قضية إنكار نسب للطفل اللي في بطنك.. أنا عارف إنك مالكيش ذنب وإنك ضحية، بس أنا مش هقدر أبص في وش الطفل ده وأفتكر أخويا اللي خانني وأمي اللي دمرت حياتنا.. أنا بحبك يا نهى، ومستعد أعيش معاكِ لآخر العمر، بس لازم نتخلص من الذكرى دي”.
كلام قاسم نزل عليا زي الصدمة الجديدة.. إنكار نسب؟ يعني ابني اللي ملوش أي ذنب في الدنيا هيتولد من غير اسم؟ هيعيش منبوذ كأنه ابن حرام وهو ابن ضحية اتغدر بيها وهي غايبة عن الوعي؟
بصيت لقاسم بقوة، والضعف اللي كان فيا اتمحى وحل محله غضب أم عايزة تحمي ابنها، وقولتله: “تتخلص من الذكرى دي؟ يعني عايزني أنزل ابني اللي في الشهر الخامس؟ ولا عايزني أولده وأرميه في ملجأ؟ ده ابن أخوك يا قاسم! ودمه من دمك! والطب الشرعي أثبت إني كنت مغيبة، يعني أنا ضحية وأنت كمان ضحية، والطفل ده هو الضحية الأكبر!”.
قاسم وقف وبدأ يتحرك في الأوضة بعصبية: “أفهميني يا نهى! أنا راجل، والناس مش هترحمني.. لما الولد يكبر ويطلع شبه أحمد، والكل يسأل إزاي اتولد بعد فرحنا بسبع شهور وحجمه كامل؟ هقولهم إيه؟ هقولهم أمي خدرت مراتي وأخويا اعتدى عليها؟ فضيحتنا هتبقى على كل لسان!”.
قبل ما أرد عليه، الباب خبط ودخل ضابط المباحث اللي كان ماسك القضية، ومعاه المحامي بتاعي. الضابط بص لقاسم وقال بلهجة حازمة: “استاذ قاسم.. المحضر اتقفل على إدانة والدتك فايزة، وجلسة محاكمتها اتحددت الأسبوع الجاي.. بس في حاجة جديدة ظهرت في التحقيقات تخص المرحوم أحمد ووالدتك، ولازم زوجتك تعرفها”.
المحامي طلع تليفون وحط عليه فلاشة، وقال: “يا مدام نهى.. النيابة وهي بتفتش شقة حماتك، لقت تليفون أحمد القديم مخفي جوة برواز صورة، ولما فتحناه لقينا عليه فيديو أحمد كان مصوره لنفسه قبل ما يموت بيوم واحد.. الفيديو ده بيقلب الموازين كلها!”.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وبصيت للمحامي وقولتله: “فيديو إيه؟ أحمد قال إيه؟”.
المحامي شغل الفيديو، وظهر صوت أحمد وهو تعبان وبيكح وبيتكلم بصعوبة وكأنه حاسس بموته، وقال في الفيديو: “أنا عارف إن أمي بتسممني.. بقالي يومين بحس بنار في بطني بعد كل أكل بتهولي، وأنا شوفت علبة الزرنيخ في اوضتها.. أنا بستاهل اللي بيحصلّي ده عشان أنا آذيت قاسم أخويا في خطيبته نهى.. بس أنا والله العظيم ما لمست نهى! أمي هي اللي خدرتها وجمعتني معاها في الأوضة ولما رفضت ألمسها، أمي هددتني إنها هتبلغ قاسم إني حاولت اعتدي عليها لو مديتهاش الفلوس.. أنا صورت فيديو لنهى وهي نايمة بهدومها كاملة عشان أثبت إن مفيش حاجة حصلت، والفيديو ده مشفر على تليفوني التاني اللي أمي متقدارش توصله.. نهى شريفة ومفيش راجل لمسها، والطفل اللي في بطنها ده…”
فجأة الفيديو قطع، والشاشة اسودت لأن أحمد في الفيديو تعب ومقدرش يكمل كلامه..
أنا وقفت في السرير بذهول، الدموع نازلة من عيني بس المرة دي دموع صدمة من نوع آخر. أحمد بيقول إنه ملمسنيش! وإن الفيديو اللي صوروه كنت فيه بهدومي كاملة! طيب لو أحمد ملمسنيش.. الطفل اللي في بطني ده، اللي في الشهر الخامس ومكتمل النمو ونبضه واضح… ابن مين؟! وإزاي السونار مطلع حجمه وتكوينه في الشهر الخامس وأنا وقاسم متجوزين من شهرين بس والطب الشرعي أثبت إني كنت بنت بنوت لحد يوم دخلتي؟!
بصيت للدكتور اللي كان واقف ومبرق عينه بذهول، وقولتله بصراخ وهستيريا: “لو أحمد ملمسنيش، وأنا كنت بنت لحد من شهرين.. الطفل ده جه إزاي؟ السونار ده كدب؟ الجهاز فيه إيه؟ أنطق يا دكتور!”.
الدكتور قرب من السرير وهو بيترعش، وطلع الأشعة القديمة والجديدة وبدأ يبص فيهم، ووشه اتقلب تماماً وقال بصوت مرعوب: “مش ممكن.. إزاي ده فات علينا؟!”.
الدكتور كان واقف والورق بيترعش في إيده، عينيه كانت بتتحرك بسرعة بين صور السونار القديمة والجديدة، والملامح اللي على وشه كانت ملامح راجل شاف معجزة أو كارثة مش قادر يستوعبها.
قاسم قرب منه بسرعة ومسكه من بالطو الدكتورة وزعق فيه: “في إيه يا دكتور؟ أنطق! إزاي فات عليكم إيه؟ إيه اللي في الأشعة ده؟”.
الدكتور بلع ريقه وصوته طلع متحشرج وهو بيبصلي: “يا مدام نهى.. إحنا لما عملنا السونار أول مرة، وبسبب الضغط النفسي والمشاحنات اللي حصلت في العيادة، أنا قريت اللي على الشاشة بناءً على المقاييس الطبية المعتادة لحجم الجنين وتكوينه.. والكمبيوتر بتاع الجهاز طلع عمر الجنين بناءً على طول العضم وحجم الجمجمة، وبما إن المقاييس دي مطابقة للي بنشوفه في الشهر الخامس، أنا جزمت بـ ده!”.
سكت الدكتور شوية وهو بياخد نفسه وصوت ضربات قلبه كان مسموع، وكمل: “لكن لما رجعت أدقق في تفاصيل التكوين دلوقتي بعد ما النزيف وقف.. واكتشفنا إن في جنين نزل وجنين لسه ثابت.. اكتشفت إن الجنين اللي فاضل في بطنك مش في الشهر الخامس! الجنين ده عمره شهرين بالظبط.. يعني ابنك أنت وقاسم، وجوه في ميعاده الطبيعي من يوم دخلتكم!”.
أنا وقفت في السرير وكأني رجعتلي الروح، الدموع نزلت من عيني بس المرة دي كانت دموع فرحة وذهول: “ابن قاسم؟ في الشهر التاني؟ طب إزاي يا دكتور الجهاز طلع حجمه في الخامس؟ إزاي عضم وجمجمة طفل في الخامس يكونوا في بطن واحدة متجوزة من شهرين؟!”.
الدكتور قعد على الكرسي وهو بيمسح عرق من على جبهته وقال: “دي حالة طبية نادرة جداً ومسجلة في المراجع العالمية باسم ‘النمو الجنيني المتسارع الناتج عن طفرة جينية’، أو الأغرب من كده.. إن الجنين ده مصاب بمتلازمة بتخليه ينمو داخل الرحم بمعدل أسرع بمرتين أو ثلاثة من المعدل الطبيعي! يعني الطفل ده عمره الزمني شهرين، بس عمره البيولوجي وتكوينه الجسدي سابق سنه بـثلاث شهور! عشان كده السونار قراه على إنه في الشهر الخامس!”.
قاسم ساب بالطو الدكتور ووقع على ركبه جمب السرير، مسك إيديه والدموع مغرقة وشه وبدأ يصرخ من الفرحة والندم: “ابني.. يعني ده ابني أنا يا نهى؟ شرفك نضيف وأنا اللي شكيت فيكِ؟ أنا أسف.. أنا غبي.. سامحيني يا حبيبتي، سامحيني!”.
أنا كنت لسه مش مصدقة، حطيت إيدي على بطني وبقيت أعيط.. الجنين اللي كنت مفكراه وصمة عار ونتيجة غدر، طلع حتة مني ومن الراجل اللي حبيته.. طلع طفل طبيعي بس نموه سريع!
في وسط الفرحة دي والدموع، ضابط المباحث اللي كان واقف ومتابع الموقف ببرود اتنحنح وقرب من الدكتور وقال بنبرة جادة ومريبة: “كلامك ده يا دكتور يحل لغز الحمل وشرف المدام.. بس ده بيفتح مصيبة تانية في قضية القتل!”.
كلنا التفتنا للضابط بذهول، وقاسم وقف وهو مستغرب: “مصيبة إيه يا فندم؟ ما خلاص.. أحمد ملمسش نهى وأمي هي اللي سممته عشان الفلوس، والولد ابني!”.
الضابط طلع أجندة صغيرة من جيبه وقال: “استاذ قاسم.. المحامي بتاعكم قال إن تليفون أحمد كان عليه فيديو مشفر أثبت فيه إن نهى شريفة، تمام؟ وأحمد مات مسموم بالزرنيخ، تمام؟.. بس إحنا لما فحصنا تليفون أحمد التاني والرسائل اللي فيه، لقينا رسالة مبعوتة من أحمد لوالدتك ‘فايزة’ قبل وفاته بساعتين بالظبط.. الرسالة دي بتقول: (أنا عرفت إنك بتسمميني يا أمي، وعشان أحرق قلبك على الفلوس اللي قتلتي عشانها، أنا دفنت الـ ٢ مليون جنيه في مكان مفيش مخلوق يعرفه غير واحد بس.. والواحد ده هو اللي هيستلم الفلوس لو أنا جرا لي حاجة!)”.
الضابط بص لحماتي فايزة اللي كانت قاعدة في ركن الأوضة مع أمين الشرطة ووشها بقى زي التراب بعد ما سمعت الرسالة، وبعدين الضابط دار وشه وبصلي أنا!
وقال بصوت حاد: “التحريات بتقول إن أحمد قبل ما يموت بكام ساعة، زار نهى في بيت أهلها بحجة إنه بيسلم عليها قبل ما يسافر.. يعني الشخص الوحيد اللي أحمد قعد معاه لوحده قبل ما يموت هو أنتِ يا مدام نهى! أحمد قالك الفلوس فين؟”.
أنا اتصدمت وقولت: “والله العظيم ما قالي حاجة! هو فعلاً جالي البيت بس قعد خمس دقائق وأعطاني مصحف صغير قالي خليه معاكِ عشان يباركلك في جوازك.. ومقاليش أي سيرة عن فلوس!”.
المحامي بتاعي صرخ فجأة: “المصحف! المصحف يا نهى!”.
في اللحظة دي، حماتي “فايزة” لما سمعت سيرة المصحف، اتقلب حالها تماماً.. الجبروت رجع لعينيها في ثانية، وزقت أمين الشرطة وقامت جريت عليا وهي بتصرخ زي المجنونة وضوافرها موجهة لوشي: “المصحف فييييين؟ الفلوس فييييين؟ مش هسيبكم تاخدوا شقا ابني! الفلوس دي بتاعتي أنا!”.
أمين الشرطة والضابط جريوا عليها ومسكوها بالعافية وهي بتصرخ وتلطم وتتف بلعابها في كل مكان وكأن الشياطين ركبتها.. وفجأة، وهي بتتخانق مع العساكر، وقعت من جيب عبايتها ورقة صغيرة مطبقة ومكتوب عليها بخط إيد أحمد!
الضابط وطى بسرعة ورفع الورقة وفتحها، وأول ما قرا اللي فيها، وشه اتخطف وبص لقاسم وقالي بصوت مليان رعب: “الحقوا.. المصيبة مش في الفلوس.. أحمد كاتب في الورقة دي سر تاني خالص عن عيلتكم.. سر لو اتعرف، الجنين اللي في بطنك ده يا نهى مش هينفع يتولد!”.
