ثأر الاب حكايات انجى الخطيب
بنتي اتصلت بيا وهي بتعيط وبتقولي: “يا بابا، تعال خدني من هنا أرجوك”. ولما وصلت بيت حماها، لقيت حماتها واقفة في وشي وسادة الباب وبتقولي ببرود: “مش خارجة من هنا”. زقيتها ودخلت.. وأول ما عيني وقعت على بنتي وهي مرمية على الأرض، عرفت إن الموضوع مش مجرد “خناقة عائلية”، دول كانوا مخبيين مصيبة متعمدين.
صوت بنتي اتكسر وهي بتقول لي “يا بابا، تعال خدني” وبعدها الخط فصل.
سقت العربية وقطعت المسافة لفيلا “عيلة المنشاوي” في وقت قياسي، والمطر كان نازل زي السيل على الإزاز. الفيلا كانت عبارة عن سور عالي وبوابات حديد وشكلها اللي يحسسك إنها مبنية عشان ترهب اللي جواها وتتمنظر على اللي براها.
”سعاد”، حماتها، فتحت الباب قبل ما أدق التانية. كانت لابسة لبس غالي وشكلها ست متعالية وكأنها بتطرد حد جاي يشحت.
قالت لي بوش خشب: “بنتك مش خارجة من هنا”.
#انجي_الخطيب
رديت عليها بنبرة تقطع النفس: “وسعي من وشي”.
ضحكت باستهزاء وقالت: “بقولك إيه يا سيد، إنت آخرك تصلح مكن تصوير في ورشتك الصغيرة، متجيش تعمل فيها عنتر هنا”.
الكلمة دي سمعتها كتير قبل كدة. عيلة المنشاوي كانوا فاكرين إن ورشتي الصغيرة معناها إني غلبان وعلى نياتي. عمرهم ما سألوا أنا كنت بشتغل إيه قبل ما أفتح الورشة، وأنا عمري ما حبيت أحكي.
سمعت صوت حاجة خبطت في الأرض جوه.
زقيت “سعاد” ودخلت.
لقيت بنتي “نور” مرمية جنب سفرة السفرة، هدومها مقطعة، وخدها مورم، وإيدها كلها زرقاء. كانت واقعة وجنبها كوباية مية مكسورة. جوزها “كريم” كان واقف فوق راسها وماسك ملف في إيده.
قال بسرعة وهو بيحاول يمثل: “دي جالها حالة عصبية يا عمي، إحنا بنحاول نهديها”.
نور بصت لي وبحركة شفايفها بس قالت لي: “أوعى تشرب حاجة هنا”.
في اللحظة دي، ملامح الخوف من على وشي اختفت، وظهر الراجل اللي قعدت 23 سنة أتدرب إني أكونه.
لا زعقت ولا لمست “كريم”. طلعت موبايلي، بدأت تسجيل، وقلت: “يا نور، إنتي طلبتي تمشي؟”.
ردت بصوت ضعيف: “أيوه”.
”في حد منعك؟”.
”كريم” قرب مني وقال: “اقفل الزفت اللي في إيدك ده”.
طلع “الدكتور عادل المنشاوي”، حما بنتي، من الطرقة وقال: “البنت دي مش متزنة، إحنا بنحاول نحميها”.
#انجي_الخطيب
على السفرة، كان الملف مفتوح. عيني وقعت على توكيلات قانونية، وأوراق تحويل ملكية، واسم “صندوق الاستثمار” اللي مراتي الله يرحمها كانت عاملاه لبنتي.
فجأة كل حاجة وضحت قدامي.
هما مكنوش حابسينها عشان خناقة، كانوا حابسينها عشان ورثها اللي هيصرفوا أول دفعة كبيرة منه بعد ست أيام بالظبط.
ركعت جنب “نور” وقلت لها: “تقدري تقومي؟”.
”كريم” وقف في طريقنا وقال: “هي ماضية على ورق، ومحدش هيخرج من هنا غير لما نخلص”.
بصيت للكاميرا بتاعة الموبايل وقلت بوضوح: “كريم المنشاوي لسه معترف دلوقتي إنه حابس بنتي غصب عنها عشان يخليها تمضي على أوراق مالية”.
لأول مرة، ابتسامة الغرور اختفت من على وشه.
حاولت “سعاد” تخطف الموبايل، رجعت لورا ودوست على الشاشة مرة واحدة. الفيديو كان خلاص بيترفع على سحابة إلكترونية مؤمنة.
قال “عادل” بصوت مهزوز: “فاكر إن الفيديو ده يخوفنا؟”.
رديت عليه ببرود: “لا، بس اللي هيخوفكم هو صوت الإسعاف اللي بره ده”.
نور أزرق بدأت تنور جوه الفيلا. وأنا في الطريق، كنت متصل بالإسعاف والشرطة وسايب الخط مفتوح عشان يسمعوا كل اللي بيحصل…
#انجي_الخطيب
الفيلا كلها بقت ريحتها توتر، عادل المنشاوي وشه اصفر فجأة وبص من الشباك لقى كشافات عربيات الشرطة والإسعاف بتنور الدنيا بره، كريم لسه واقف في مكانه متجمد، الموبايل في إيدي ثابت، ونور بدأت ترفع راسها وتستند على إيدي، الدموع في عينيها كانت حارقة بس نظرة الأمان اللي شافتني بيها كانت كفيلة تهد جبال، مسكت إيدها وقومت وقفتها جنبي وبصيت في عين “كريم” اللي كان بيحاول يداري رعبته بتهديد أخير، قرب مني وبصوت واطي مهزوز قال: “إنت فاكر إنك كدة كسبت؟ دي ليلة وهتعدي وهنخرج منها زي الشعرة من العجينة، والبت دي هترجع هنا تاني وتشوف الويل”، ضحكت ضحكة هادية خلت أعصابه تفلت، قربت منه وهمست في ودنه: “اللي بيشتغل في ورشة تصليح المكن، بيبقى عارف إزاي يفك أصغر مسمار في أي آلة، وعارف كمان إزاي يحلل أي خنقة، وأنا يا كريم كنت بفك آلات القت*ل في جيشي، فمش مكن تصوير اللي هيغلبني، اسمع صوت الكلبشات دي، دي لغة تانية خالص”، الباب اتفتح بهبدة قوية ودخلت قوة الشرطة، صوت الضابط كان عالي ومسيطر: “الكل يحط إيده على دماغه، الأستاذ كريم المنشاوي، مطلوب القبض عليك بتهمة الاحتجاز القسري ومحاولة الاستيلاء على أموال الغير”، سعاد بدأت تصرخ وتلطم وكأنها في مسرحية رخيصة، وعادل المنشاوي حاول يفتح بوقه يتكلم قانون، بس الضابط قاطعه وهو بيقرب منه وبيقوله: “حضرتك يا دكتور عادل مطلوب معانا للتحقيق بصفتك شريك في التستر على الج*ريمة”، شلت “نور” بين إيديا وخرجت بيها في المطر، كانت بتترعش بس بدأت تتنفس، ركبتها العربية وشغلت التدفئة، وفضلت باصص للفيلا وهي بتتملي بالظباط، حسيت ببرود جوايا غريب، “نور” مسكت إيدي وقالتلي بصوت متقطع: “يا بابا.. خايفة يرجعوا”، بصيت لها وابتسمت ابتسامة طمنت قلبها وقلت: “يا بنتي، الأسد مبيسيبش عرينه يتنهب، واليوم اللي فكروا فيه يقربوا منك، هما اللي حكموا على نفسهم بالنهاية، من هنا ورايح، مفيش “منشاوي” هيقدر يبص في عينك تاني، لإن اللي جاي، هيكون هو اللي بيصلح مكن حياتهم ويحوله لخرده”.
………
في الطريق للمستشفى، “نور” غابت عن الوعي تاني، بس المرة دي كان جسمها بيرتخي في حضني من الراحة مش من التعب، وكأن كل الأدرينالين اللي كان شادد أعصابها ساب فجأة. صوت المطر على سقف العربية كان بيغطي على أنفاسي المتسارعة، كنت بفتكر كل لحظة سكت فيها على قلة أدبهم في مقابلاتنا السابقة عشان خاطر “نور” وعشان أبعدها عن المشاكل، بس دلوقت عرفت إن السكوت مع الناس اللي زي دول هو ضوء أخضر ليهم عشان ينهشوا في اللي بنحبه.
وصلنا الطوارئ، الدكاترة والتمريض اتحركوا بسرعة، ونور اختفت جوه الأوضة، فضلت واقف قدام الباب ببدلتي المبلولة اللي متبهدلة طين من الفيلا، وطلعت موبايلي تاني، لقيت رسائل كتير، فتحت سجل المكالمات ولقيت إني كنت مسجل كل حاجة من أول ما دخلت الفيلا، مش بس الفيديو، ده حتى المكالمة اللي قبلها، والاتصال بتاع الإسعاف، ده غير “سيديهات” تانية كنت محتفظ بيها في “خزنة” خاصة مكنتش فاكر إني هحتاجها يوم.
جالي اتصال من رقم غريب، رديت بهدوء: “أيوة”، كان صوت محامي عيلة المنشاوي، صوته كان متغير، داخل بأسلوب الود والتهديد المبطن: “يا حاج محمود، الموضوع ده ممكن يخلص ودي، إنت راجل عاقل وعارف إن سمعة عيلة زي المنشاوي مش سهلة، كريم أخطأ بس بلاش نكبر الموضوع ونلبس قضايا جنائية ونحرق مراكبنا”، ضحكت بسخرية مكنتش أتمناها تطلع مني، رديت وأنا باصص لغرفة العمليات: “المراكب اتحرقت يا أستاذ، واللي ولع فيها هما أصحابها، أنا مش عايز فلوس ولا تعويض، أنا عايزهم يفضلوا ورا القضبان لحد ما ينسوا شكل الشمس، ولو فكرت تتصل تاني، الملف اللي في إيدي هيبعت نسخة منه لكل صحفي ونزيه في البلد، اللي بيته من إزاز ميفكرش يحدف طوب، وده وقت الحساب”.
قفلت السكة قبل ما ينطق حرف تاني، لقيت الضابط اللي كان في الفيلا واقف ورايا، ملامحه كانت جدية جداً، قالي: “يا حاج محمود، البنت في أمان، بس اللي لقيناه في مكتب عادل المنشاوي بيثبت إن الموضوع أكبر من طمع في ورث، دول كانوا عاملين شبكة غسيل أموال ومستغلين اسم بنتك كواجهة قانونية، يعني الموضوع قلب قض*ية أمن دولة، والباشوات اللي كانوا فاكرين نفسهم فوق القانون، هيدفعوا تمن غالي جداً”، هزيت راسي وأنا بحس بتقل 23 سنة بيترمي من على كتافي، بصيت لنور من إزاز الأوضة وهي نايمة وبشرتها بتبدأ تاخد لونها الطبيعي، وحلفت في سري إن دي آخر مرة حد في الدنيا يمس شعرة منها، وإن “الورشة” اللي كانوا بيستهزأوا بيها، هي اللي علمتني إزاي أصلح حياتنا من أول وجديد، وأفرز الصالح من الطالح، والمرة دي.. التصلح كان جذري ومفيش فيه رجوع.
……..
عدت أسبوعين، المستشفى كانت بيتي التاني، ونور بدأت تتحسن وبدأت روحها ترجع لها، بس نظرة الرعب اللي في عينيها لما بتسمع باب الأوضة بيتفتح لسه موجودة، كنت بقعد جنبها ساعات طويلة، بنسكت أو نتكلم في أي حاجة بعيد عن “المنشاوية”، لحد ما في يوم، دخلت عليا بابتسامة خفيفة وقالتلي: “يا بابا، أنا محتاجة أقابلهم”.
قلبي اتقبض، مسكت إيدها وقلت بصوت حازم: “أقابل مين؟ إنتي فاكرة اللي حصل؟ دول مجرمين يا نور، مش ناس عادية، والمحامي بتاعهم لسه بيحاول يلف ويدور في النيابة”.
بصتلي وعينيها لمعت بصلابة أول مرة أشوفها فيها، وقالت: “عشان كدة بالذات لازم أواجههم، لازم يشوفوني وأنا واقفة على رجلي، مش وأنا مكسورة زي ما سابوني في الفيلا، أنا مش عايزة أهرب منهم، أنا عايزة أوريهم إن “بنت الراجل اللي بيصلح المكن” أقوى من كل فلوسهم اللي اشتروا بيها ضمائرهم”.
وافقت أخيراً، بس بشرط أكون موجود ورا ضهرها، رتبت مع وكيل النيابة، وفي يوم التحقيق، دخلت نور قاعة المواجهة، كانت لابسة بسيط بس ملامحها كان فيها هيبة وجبروت، أول ما كريم شافها، عيونه جحظت، كان شكله متبهدل، الحلاقة مهملة، والبدلة الغالية اللي كان بيستعرض بيها بقت وسيعة عليه ووشه دبلان من قعدة الحجز، عادل وسعاد كانوا معاه، وشهم محفور عليه الهزيمة والذل.
قعدنا قدامهم، الصمت كان مسيطر على القاعة، الضابط كان بيراقب كل حركة، كريم حاول يتكلم، صوته كان متهدج: “نور.. اسمعيني، ده كان سوء تفاهم، كنا بنحاول نحميكي من..” قاطعته بصوت هادي بس قوي خلى القاعة كلها تسكت: “من إيه يا كريم؟ من حقي في حياتي؟ ولا من أهلي؟ إنت كنت بتشوف فيا “صندوق استثمار” مش زوجة، واليوم ده، إنت مش بس خسرتني، إنت خسرت أمانك اللي كنت فاكر إنك شاريته بالفلوس”.
سعاد حاولت تتدخل، بس نظرة واحدة من نور خلتها تسكت، كملت كلامها وهي بتبص في عين عادل المنشاوي مباشرة: “يا دكتور عادل، القانون اللي كنت بتستخدمه عشان تظلم الناس، هو نفسه اللي دلوقتي بيحاسبك، وكل ورقة كنت بتخليني أمضي عليها بالإكراه، بقت دليل إدانتكم، أنا مش بس هطلق منك يا كريم، أنا هكون الشاهد الرئيسي اللي هيضمن إن ولا واحد فيكم يشوف الشارع تاني قبل سنين”.
الكل في القاعة كان مبهور بشجاعتها، خرجنا من النيابة، والشمس كانت طالعة بقوة، نور وقفت في نص الشارع، خدت نفس عميق وكأنها بتطرد كل ذكريات الرعب، بصتلي وابتسمت وقالت: “أنا جاهزة نرجع الورشة يا بابا، عايزة أتعلم إزاي أصلح اللي اتكسر، مش بس في المكن، في حياتي كلها”.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي حصل مكنش نهاية، ده كان ميلاد جديد لينا إحنا الاتنين، ورشتي اللي كانوا بيشوفوها صغيرة، النهاردة كانت هي المكان اللي بنيت فيه أعظم مشروع في حياتي.. “بنتي”، اللي طلعت أقوى من كل عيلة المنشاوي وملايينهم.
………
رجعنا الورشة، والورشة مكنتش مجرد مكان شغل بالنسبة لنور، بقت مكان استشفاء. بدأت تلبس “الأفرول” وتساعدني، في الأول كانت إيدها بتترعش لما بتمسك المفك، بس مع الوقت، القوة اللي لقيتها في نفسها جوه قاعة النيابة بدأت تتجسم في مهارة حقيقية. كانت بتمسك التروس المكسورة وتصلحها بتركيز، وكأنها بتصلح أجزاء من روحها اللي اتشرخت.
في يوم، واحنا شغالين، دخل علينا واحد من محامين عيلة المنشاوي، بس المرة دي مكنش داخل بتهديد، كان داخل بشنطة جلد تقيلة، وعيونه بتبص للأرض منكسرة. وقف قدام نور وقال بخفوت: “يا مدام نور.. عادل وكريم باعتين التنازلات عن كل حاجة، ومعاهم اعترافات كاملة بكل الصفقات المشبوهة، مقابل إنك تخففي شهادتك.. هما بيتدمروا جوه، والشركة أعلنت إفلاسها، والأصول كلها اتحجز عليها”.
نور مابطلتش شغل في المكنة اللي في إيدها، فضلت رابطة المسمار بتمكن وقوة، وبعدين رفعت عينها وبصتله بنظرة خالية من أي شفقة، وقالت ببرود: “قولهم إن الملف ده كان مفتوح من يوم ما دخلوا بيتي وكسروا كرامتي، وإن شهادتي هي أمانة لـ كل ضحية تانية كانوا ناويين يظلموها، التنازلات دي ميقدروش يشتروا بيها ضميري، ياريت تاخد شنطتك وتخرج من ورشتنا، لأننا هنا بنصلح حاجات ليها قيمة، مش بنشتري ونبيع في الذمم”.
المحامي مشي والورشة رجعت تاني لصوتها المعتاد، صوت المبرد وصوت المكن وهو بيترتب. بصيت لنور، لقيت وشها مرتاح، مفيش فيه علامات خوف ولا بقايا انكسار، وكأنها في اللحظة دي غسلت إيدها من كل السواد اللي شافته في فيلا المنشاوي.
بليل، كنا قاعدين بنشرب شاي قدام باب الورشة، الشارع كان هادي، ونور قالتلي: “يا بابا، أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل الناس، بس اتعلمت إن في ناس بتفضل طول عمرها فقيرة مهما كان في رصيدهم، وأنا دلوقتي أغنى واحدة في الدنيا لأني رجعت لنفسي”.
ابتسمت ومسحت على راسها، والورشة اللي كانت الناس بتبص لها باستحقار، نورت بضحكتها اللي رجعت أخيراً. عرفت ساعتها إن الحياة مش بـ “الفيلا” والسور العالي، الحياة بـ “السند” والضهر اللي بيعرف يوقف صاحبه لما الدنيا تضيق، وبـ “الأيد” اللي بتعرف تبني وتصلح، مش اللي بتعرف تكسر وتسرق. وعيلة المنشاوي؟ أصبحوا مجرد درس قاسي، صفحة واتقفلت في كتاب حياتنا، عشان نبدأ فصل جديد، مكتوب بحبر القوة والكرامة، ومفيش فيه مكان لأي حد يفتكر إنه يقدر يشتري بني آدم.
……..
بعد مرور سنة، الحياة في الورشة بقت مألوفة وعميقة، والاسم اللي كان الناس بيعرفوه بـ “ورشة عم محمود” بقى ليه هيبة تانية في المنطقة، مش بس بسبب شطارتنا في تصليح المكن، لكن بسبب الحكاية اللي بقت معروفة للكل: “البنت اللي رجعت من قلب الوحوش”.
كنت قاعد براجع حسابات الورشة، ونور كانت بتخلص صيانة لمكنة تصوير كبيرة زبون باعتها مخصوص عشان “إيد نور” اللي فيها بركة، الموبايل رن، كان رقم خاص من مصلحة السجون، قلبي دق بس بثبات، رديت، كان صوت مأمور السجن بيقولي بلهجة رسمية: “يا حاج محمود، كريم المنشاوي طلب يقابل بنت حضرتك للمرة الأخيرة قبل ما يترحل لسجن شديد الحراسة، بيقول إن عنده رسالة أخيرة عايز يوصلها، والمحامي بيضغط عشان ده يحصل”.
نور كانت سامعة، بصت لي وعنيها مفيهاش أي تردد، سابت المفك من إيدها، ومسحت إيدها في الأفرول وقالت: “أنا موافقة يا بابا”.
رحنا الزيارة، المكان كان كئيب وبارد، قعدنا ورا القزاز، وبعد دقايق دخل كريم، كان نسخة تانية من الراجل اللي عرفناه، شعره محلوق، ملامحه ذابلة، ونظرة عيونه اللي كانت مليانة غرور بقت منكسرة ومطفيّة. قعد ورا القزاز وبص لنور، فضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدين قال بصوت مكسور: “كنت فاكر إن العالم كله مكنة كبيرة والفلوس هي الزيت اللي بيشغلها، كنت فاكر إني بشتري الكل.. حتى إنتي”.
نور كانت باصة له بجمود، مافيش في عينيها غير الشفقة، كمل هو: “أنا مش جاي أطلب سماح، أنا جاي أقولك إن أبوكي كسب الرهان، أنا خسرت كل حاجة، والوحيد اللي لسه محتفظ بكرامته هو الراجل اللي كنت بستعر منه”.
نور قامت وقفت، وما ردتش عليه بكلمة، بس قبل ما تلف ضهرها وتمشي، قالت جملة واحدة خلت كريم ينهار ورا القزاز: “إنت مكنتش بتصلح حاجة يا كريم، إنت كنت بتكسر كل اللي يلمسك عشان تداري على فراغك.. ومبروك عليك الفراغ اللي بتعيش فيه دلوقتي”.
خرجنا من السجن، الهوا كان طلق، ونور أخدت نفس عميق وكأنها بتخرج آخر ذرة سم من قلبها، مشينا في الشارع، والناس اللي كانت بتخاف من اسم المنشاوي، بقوا بيسلموا علينا بكل احترام، مش عشان إحنا بقينا أغنياء، بس عشان عرفوا إن القوة الحقيقية مش في السيطرة، القوة في “البقاء” بوش نظيف وضمير مرتاح.
رجعت الورشة، لقيت نور دخلت وبدأت تكمل شغلها، مسكت العدة وبدأت أصلح جنبها، وفجأة نور ضحكت من قلبها، ضحكة صافية زللت كل غيوم الماضي، بصيت لها وقلت: “الورشة نورت يا نور”، ردت وهي بتغمزلي: “الورشة كانت دايما منورة يا بابا، بس إحنا اللي كنا محتاجين نصنفر صدى السنين عشان نشوف نورنا الحقيقي”.
وعرفنا وقتها، إن الحكاية خلصت، مش بانتصار على أعداء، لكن بانتصارنا على الوجع، وبأننا فضلنا إحنا.. إحنا.
………
سنتين كمان عدوا، والورشة مبقتش مجرد ورشة تصليح مكن، نور بقت شريكتي في كل حاجة، وفتحت قسم جديد متخصص في صيانة أجهزة الحاسب والأنظمة التقنية، القسم ده اللي خلاها تعتمد على ذكائها اللي كان مدفون ورا قسوة عيلة المنشاوي.
في ليلة صيف دافية، كنا قاعدين بنقفل الورشة، نور بصت للمكان بابتسامة رضا وقالت: “يا بابا، فاكر لما قولتلي إنك اتدربت ٢٣ سنة عشان تكون الراجل اللي أنقذني؟”.
بصيت لها، وشفت في ملامحها نضج سنين، وشفت فيها صورة أمها الله يرحمها، قلت لها: “أنا اتدربت عشان أحميكي، بس الحقيقة يا نور، إنتي اللي علمتيني إزاي أعيش من غير خوف، إنتي اللي حولتي “الورشة” لمملكة صغيرة لينا”.
نور سكتت لحظة، وطلعت من جيب الأفرول بتاعها كارت دعوة لفرح، كان كارت بسيط وشيك، مكتوب عليه اسم “نور محمود” واسم عريسها، شاب محترم مهندس كمبيوتر كان بيجي يصلح مكنته عندنا، حبها لشخصها، لشجاعتها، للي هي عليه مش لأي حاجة تانية.
نور مسكت إيدي وقالت: “المنشاوية كانوا بيشوفوا الناس بـ “الميزان”، بيوزنوا الشخص بفلوسه ونفوذه، بس أنا عرفت إن الناس بتتوزن بـ “الأصل” وبالسند، وأنا كان ليا أحسن سند في الدنيا”.
دمعت عيني، وحضنتها حضن خلى كل ذرة وجع في قلبي من السنين اللي فاتت تتلاشى، اليوم ده الورشة كانت بتتهيأ لحدث جديد، مش خناقة ولا محاكمة، ده فرح “نور”.
والغريب، إن واحنا ماشيين بالليل، عدت من قدامنا عربية فاخرة، بصيت لها ببرود، مفيش جوايا أي حقد، ولا حتى ذكرى سوء، عرفت إن اللي بيخرج من معارك الحياة بكرامته وسلامه النفسي، هو اللي بيكسب فعلاً.
قفلت باب الورشة، وعلقت اليافطة الجديدة اللي كتبناها سوا: “ورشة محمود ونور.. هنا بنصلح المكن وبنحترم الناس”.
القصة الحقيقية مكنتش عن الانتقام من المنشاوي، كانت عن أب رفض يشوف بنته مكسورة، وبنت رفضت تعيش في سجن من ذهب، واختاروا سوا يرجعوا للحياة، يشتغلوا بإيديهم، ويعيشوا بكرامة، في ورشة صغيرة، بس سقفها السما.. والبداية كانت بـ “يا بابا، تعال خدني”، والنهاية كانت بـ “يا بابا، شكراً إنك خليتني أنا”.
تمت
حكايات انجى الخطيب
