اخت مراتي

​قعدت في الأوضة الضيقة دي في اللوكاندة، صوت العربيات الكبيرة على الطريق الزراعي رايح جاي كأنه بيهرس في دماغي. ولعت سيجارة، ورغم إن بقالي 3 سنين مبحطهاش في بؤي، بس المنطق في الليلة دي كان أتسحل وانضرب بالجزمة في صالة بيت حمايا.
​طول الليل وأنا بربط الخيوط في بعضها. ريهام بت دلوعة وطايشة، صح.. بس مش بالدهاء ولا الإجرام اللي يخليها تحبك تمثيلية بالحبكة دي لوحدها. وإيهاب… الجدع الساكت ده، اللي عينيه زي الإزاز الميت. إيهاب شغال محاسب في شركة مقاولات صغيرة، وخطب ريهام من 6 شهور بعد ما واحدة قريبة الست فوزية اتدخلت.
​وفجأة.. الساعة جت 4 الفجر، وافتكرت حاجة في غاية الأهمية!
​في مصيف بلطيم، وفي نفس الليلة اللي ريهام بتقول إني دخلت عليها فيها، حصلت خناقة كبيرة بينها وبين إيهاب في التليفون. فاكر كويس إنها خرجت تعيط في الجنينة ورا الشاليه، وأنا وقتها كنت واقف في المطبخ بعمل شاي أنا ولبنى.. ومخرجتش من المطبخ أصلاً! بل إن لبنى هي اللي خرجت تهدّيها وترجعها!
​طيب بالذمة.. إزاي بتقول إني دخلت عليها الأوضة، ومراتي نفسها كانت واقفة معايا بتعمل شاي؟!
​العقل يقول إن ريهام مش بتدافع عن نفسها بس، دي بتغطي على حد.. أو فيه حد ممشيها بالريموت. بس مين المستفيد؟ مين اللي عايز يدمرني أنا بالذات ويبرأ إيهاب؟ ولا إيهاب هو كمان مخدوع؟ لأ.. نظرات إيهاب في العزومة مكنتش نظرات واحد متفاجئ إن خطيبته خاينينوه، دي كانت نظرات واحد بيقبض تمن الموقف!
​خطة “الأستاذ”
​أول ما الشمس طلعت، قمت غسلت وشي بمية تلج. الخوف والكسرة اللي كانوا جوايا اتقلبوا لغل وشرار. والغضب لما يدخل دماغ مدرس لغة عربية بيحب النظام.. بيتحول لخطة مفيهاش خرم إبرة.
​كنت عارف إن أي حركة غشيمة مني هتخرب الدنيا. مش هينفع أروح بيت حمايا عشان ميتلموش عليا ويضربوني، ومش هكلم لبنى عشان هي في حالة ذهول ومش هتسمعني.
​مسكت التليفون وكلمت “طارق”.. صاحبي من أيام الثانوي، كان ظابط شرطة وساب الخدمة وفتح مكتب استشارات وتحريات خاصة.
​اتقابلنا في قعدة دارية في كافيه بعيد عن المنصورة، وحكيتله كل حاجة بالتفصيل.
​طارق سمعني للاخر، حك ذقنه وقاللي:
— “بص يا هاني.. أنت طول عمرك في حالك ومش بتاع مشاكل، فمش فاهم الوساخة بتتدارى إزاي. ريهام لو حامل بجد، فمفيش حاجة تقطع الشك غير تحليل DNA.. بس طالما هي وجهتلك اتهام مباشر ومراحتش تعمل محضر، يبقى الموضوع فيه إنّ كبيرة!”
​قلتله وأنا دمي بيغلي:
— “بالظبط! مفيش محضر ولا نيلة.. هما طردوني وبس! لو هي صادقة كانت جابتلي النيابة لحد عندي!”
​طارق ابتسم وقاللي:
— “يبقى قدامنا سكتين: الأولى نجيب دليل ملموس، والتانية نعرف مين الأب الحقيقي اللي إيهاب وريهام بيداروا عليه.. وإيهاب ده، وراه بلاوي.”
​الاختراق
​طارق بدأ يشتغل بطريقته، وأنا عملت الحركة الأكثر جراءة في حياتي.
​أنا عارف إن ريهام بتستخدم إيميل تاني غير اللي على تليفونها الأساسي. وفي يوم من الكام شهر اللي فاتوا، كانت استعارت اللابتوب بتاعي عشان تفرج اختها على شوية فساتين، وسجلت دخول بحسابها ونسيت تعمل خروج (Log out).
​فتحت اللابتوب بحرص شديد عشان ما يوصلهاش إشعار إن فيه حد فتح الحساب.
​والحظ لعب لعبته معايا لأول مرة!
​لقيت النسخة الاحتياطية للرسائل اللي على إيميلها مفتوحة، وقدرت أكتشف محادثات مخفية كانت مسحاها من على الواتساب بس مسمعة في السيرفر.
​أول ما قريت الرسائل.. دمي اتجمد في عروقي.
​المحادثات مكنتش بينها وبين إيهاب.. ولا بينها وبيني طبعاً!
المحادثات كانت بين ريهام وبين واحد اسمه “صالح”.
وصالح ده.. يبقى جوز عمتها! راجل أعمال أربعيني، غني، والحاج إسماعيل بيعتبره زي أخوه الصغير وبيثق فيه ثقة عمياء!
​قريت الرسائل وأنا جسمي كله بيتنفض:
​صالح: “لو إيهاب أو أبوكي عرفوا باللي في بطنك هيق/تلوكي ويقت/لوني.. لازم نلبسها لأي حد تاني يا ريهام بسرعة!”
​ريهام: “نلبسها لمين يا صالح؟! أنت اتجننت؟ محدش يدخل البيت ويثقوا فيه غير هاني وإيهاب!”
​صالح: “إيهاب أنا هظبطه.. هدفعله قرشين يسد بيهم ديونه ويسكت ويخلع هو الشريف. وهاني الغلبان ده مبيعرفش يدافع عن نفسه، وساعتها هيطردوه، وأنتِ تطلعي الضحية البريئة ونروح نجهض الجنين في أي عيادة مقفولة بره المحافظة!”
​المؤامرة كانت متفصلة بالمللي.. قذارة ملهاش أول من آخر.
إيهاب مكنش مغفل، إيهاب كان قابض! صالح اشترى سكوته بفلوس، وريهام ضحت بيا عشان تستر على نفسها وعن عشيقها الغني، واختاروني أنا بالذات عشان “مؤدب وماشي جنب الحيط ومش بتاع مشاكل”!
​المواجهة
​سجلت كل المحادثات، والرسائل الصوتية، وطبعت سكرين شوت بكل حاجة. بس طارق قاللي: “الحاج إسماعيل بلدياتنا ودماغه ناشفة، ممكن يقولك الفايل ده متفبرك.. إحنا محتاجين اعتراف مباشر من إيهاب نفسه.”
​كلمت إيهاب من خط جديد.
​رد بصوت قرفان: “مين؟”
رديت عليه بنبرة جافة ومخيفة.. نبرة عمره ما سمعها مني:
— “أهلاً يا إيهاب.. معاك هاني ‘اللي لبستوه المصيبة’. أنا قاعد حالياً مع ظابط في المباحث، ومعايا تسجيلات تليفونك أنت وصالح، وتفريغ الحساب البنكي اللي نزل فيه 100 ألف جنيه الأسبوع اللي فات من شركة صالح لحسابك.”
​الخط سكت تماماً. سمعت صوت نفسه بيعلى وبيترعش.
​حاول يعمل فيها صايع وقال: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟”
​قلتله بصرامة توقف القلب:
— “قدامك نص ساعة.. تترزع قدامي في كافيه على الطريق الزراعي، يا إما الفايل ده هيترمي فوراً في النيابة بتهمة التزوير والابتزاز والشهادة الزور.. وساعتها صالح هيخلع منك ويقول معرفوش، وأنت اللي هتلبس قض*ية وتترمى في السجن.”
​أنا مكملتش الجملة وهو قفل السكة.
​بعد 20 دقيقة، كان داخل الكافيه، وشه أصفر زي الميتين، وركبه بتخبط في بعضها.
​قعد قدامي، وأنا كنت حاطط التليفون بيسجل، وطارق قاعد على الترابيزة اللي ورانا بيراقب.
​إيهاب انهار في ثواني.
قال وهو بيعيط وبيقسم بالغاليات: “والله العظيم ما كنت عايز أدخل في القرف ده يا أستاذ هاني! صالح هو اللي مسكني من إيدي اللي بتوجعني، كان ليا عنده ديون وشيكات، قاللي هسددلك كل حاجة ويديني 100 ألف كمان فوقيهم، بس بشرط أوافق على المسرحية وأفسخ الخطوبة بعد ما الفضيحة تلبس فيك أنت.. وريهام هي اللي قالت اسمك أنت عشان عارفة إنك غلبان ومش هتؤذي حد!”
​سجلت كل كلمة خرجت من بؤه، صوتاً وصورة.
​ليلة الحساب
​في نفس اليوم بالليل، بيت الحاج إسماعيل كان زي المقبرة. النور طافي في معظم الشقة، والحزن والفضائح مغرقين المكان. لبنى محبوسة في أوضتها مابتقفش عياط، والحاج إسماعيل قاعد في الصالة حاطط إيده على رسه وشهقته مسمعة.
​وفجأة.. الباب اتفتح بقوة!
​دخلت أنا، ورايا طارق، وساحبين إيهاب في إيدنا كأنه متكلبش.
​الحاج إسماعيل نط من مكانه زي المجنون وصرح بزئير:
— “أنت ليك عين تجيلي هنا تاني يا فاجر؟! يا زبالة!”
​خرجت لبنى من الأوضة بتجري ومفزوعة، ووراها أمها وريهام.
​زعقت بصوت عالي هز الشقة كلها:
— “اقعد مكانك يا حاج واسمع! أنا مخرجتش من بيتك امبارح عشان خايف.. أنا خرجت عشان أرجعلك بالحق اللي أنت عميت عنه ومردتش تسمعه!”
​ريهام أول ما شافت إيهاب واقف وموطي رسه، وشها اتخطف وجسمها بدأ يترعش.
​طلعت التليفون وشغلت التسجيل الصوتي على أعلى صوت في الصالة.
​صوت إيهاب ملأ المكان وهو بيعترف بكل حاجة.. بفكرة ريهام، وبفلوس صالح جوز عمتها، وبالاتفاق اللي اتعمل عشان يلبسوني أنا الج/ريمة ويرموا شرف بنتهم عليا.
​الصمت اللي نزل على الصالة بعد التسجيل كان يرعب.. صمت أشد من صوت القنابل.
​رميت فايل الصور والمحادثات على السفرة قدام الحاج إسماعيل:
— “ودي محادثات ريهام وصالح.. بصوتهم وتوارخهم! اقرأ يا حاج عشان تعرف مين اللي صان عرضك ومين اللي باعه رخيص عشان الفلوس والستر المزيف!”
​الست فوزية صرخت ولطمت على وشها: “يا مري يا فضيحتي يا مري!”
ولبنى بصت لأختها بذهول مش طبيعي، وبعدين بصلتي وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
​الحاج إسماعيل مكنش قادر يتنفس، اتسعت عينيه ووقع على الكرسي يمسك قلبه، وهو بصص لريهام اللي اترمات على الأرض تحت رجليه بتصرخ وتترجاه: “سامحني يا بابا.. صالح هو اللي ضحك عليا.. هو اللي هددني!”
​قربت خطوات من ريهام وقلتلها بصوت هادي بس يقطع زي الس/كينة:
— “كنتِ فاكرة إن الأستاذ هاني الغلبان ملوش ظهر؟ هاني اللي بيعلم عيالكم الحق في المدارس.. عمره ما يطأطئ رسه للباطل ولا يلبس قذارتكم.”
​التفت للبنى..
​كانت جاية ناحيتي بخطوات مكسورة، مادّة إيدها وعينيها ماليين دموع: “هاني.. أنا.. أنا أسفة يا حبيبي.. سامحني أرجوك..”
​رجعت خطوة لورا.
​بصيت في عينيها طويلاً.. العينين اللي شكوا فيا في ثانية، واللسان اللي قاللي “امشي ومش عايزة أشوفك” ونكر 6 سنين عشرة في لحظة.
​قلتلها بنبرة مكسورة بس حاسمة:
— “أنا أثبت برائتي عشان كرامتي وسمعتي قدام نفسي وقدام ربنا يا لبنى… بس الثقة اللي تتهد في أكلة بط، مابترجعش بتسجيل صوتي.”
​سبت ورقة التنازل عن كل حاجتي في الشقة على السفرة، لفيت وشي وخرجت من الباب.. وأنا سامع صراخ العيلة وعويل ريهام وصدمة الحاج إسماعيل ورايا.
​نزلت الشارع، اتنفست هوا الليل البارد وعرفت إن حياتي القديمة البسيطة ماتت خلاص.. بس على الأقل، خرجت منها وأنا رافع راسي، ونظيف الإيد والقلب.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *