بعد تسعه عشر عاما محمد نور
سعود بكسرة:
— هل كتبتِ كل هذا؟
— نعم.. وأكثر.
— هل حضرتِ مسابقة السباحة الخاصة بي عندما كنتُ في الحادية عشرة؟
— نعم.. أذكر أنك أخذت الميدالية ورفعتها لوالدك، وكنتُ أصفق لك من أخر القاعة حيث لا يراني أحد بسبب المحظر القضائي الذي يمنعني من الاقتراب منك.
سلطان الذي دخل خلفنا قال بذهول:
— ذلك المحظر انتهى عندما بلغ سعود السادسة!
أخرجتُ من هاتفي صورة لطلب تجديد المحظر المزور المزيل بتوقيع سلطان (والذي تبين أن ريما هي من زورت التوقيع واستصدرته).
لم تكن ريما مجرد مدعية، بل كانت تدير شبكة من التزوير وقطع الرسائل لمنعي من الوصول لابني.
وقفتُ لأغادر، فقال سعود:
— إلى أين أنتِ ذاهبة؟
— إلى بيتي في جدة.
— هل يمكنني المجيء معكِ؟
توقف قلبي لبرهة:
— بيتي صغير يا سعود..
سعود:
— لا بأس.. أحتاج أن أسمع منكِ عن كل السنين التي ضاعت.
رفضتُ العودة بمروحية سلطان، وأصررتُ على أخذ رحلة طيران تجارية مع سعود. وفي الطائرة، كان سعود ينظر إلى هاتفي بذهول وهو يكتشف أنني لستُ مجرد بائعة فوانيس، بل لدي “دار نورة للتحف”، وأعمالي معروضة في متاحف ومعارض عالمية في باريس والرياض، وأنني رفضتُ الاستحواذ على شركتي بمبالغ طائلة، وأنني بنيتُ حياتي ونجاحي بعيداً عن اسم آل الفايد.
بعد أشهر من ذلك، وبعد أن خضعت ريما للتحقيق الرسمي وتم رد اعتباري أمام الجميع، جاء سعود لزيارتي عدة مرات في ورشتي بجدة. تعلم التطريز، وأصبح يتصل بي يومياً.
وفي ليلة رأس السنة التالية، طرق سعود بابي ومعه سلطان. كان سلطان يبدو مكسوراً ومختلفاً، يخضع للعلاج النفسي بطلب من سعود، وقال لي بنبرة خالية من الكبرياء:
— أخطأتُ في حقكِ يا نورة.. ولا أتوقع منكِ الغفران، لكنني أردتُ أن أقولها.
قلتُ له:
— الغفران لا يعني العودة، ولا يعني النسيان.. بل يعني فقط أنني لم أعد أحمل بغضاً يؤذيني.
جلسنا جميعاً على طاولة بيتي الصغير، ودون صحافة أو رسميات. وعند منتصف الليل، رفع سعود كأسه وقال:
— للبدايات الجديدة.
ابتسمتُ وقلت:
— بل للفرص الثانية..
تطلعتُ إلى السماء وأنا أدرك حقيقة واحدة: بعض المظالم لا تنتهي عندما يعتذر من أذاك، بل تنتهي عندما تصبح في غنى تام عن سماع ذلك الاعتذار. واليوم، لم أعد أنا من يحاول العودة لعائلة طردتني.. بل هم من قطعوا كل تلك المسافات للوصول إليّ.