سلفتي سكر
في صباح اليوم التالي، يوم الجلسة الفاصلة في النيابة، أصرت سعاد على الذهاب مع حمايا والرجال. وقفت أمام القاعة بشموخ وهي تمسك حقيبتها التي تضم المستند القاطع. وعندما خرج المحامي يبشرهم بصدور قرار النيابة بحفظ البلاغ الكيدي وتحويل ابن عم نرمين للتحقيق بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب، انهارت سنوات التهديد في لحظة واحدة.
عادت العائلة إلى البيت يتقدمها حمايا وهو يمشي بمشية مرفوعة الرأس، وسلفي الكبير وشريف يحملان سعاد على الأعناق في مدخل العمارة.
أخذت سعاد الشال من على رأسها، وقفت في نص الصالة، ولفت حول نفسها وهي تضحك من أعماق قلبها، ثم أطلقت زغروطة زلزلت الحي كله:
“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا اللي ملهاش مثيل!”
تعالت الضحكات واختلطت دموع الفرح بالدعوات، وعادت البهجة ترقص في زوايا البيت، غير أن نظرات حمايا نحو الباب الخارجي كانت تشير إلى أن هدير العواصف لم ينتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تحتفظ بأحداث أخرى لهذه العائلة.
بعد انقشاع غمة القضية الكيدية وبرء ساحة الورشة، ساد البيت هدوء حذر تشوبه فرحة منقوصة. شريف، رغم استرداد كرامته وتبرئة اسمه، كان يسير بيننا كالجثة الهامدة؛ كسرة النفس والخذلان من تجربة زواجه السابقة تركت في قلبه جرحاً غائراً جعلته ينطوي على نفسه، يقضي يومه بين الورشة وغرفته المغلقة، رافضاً الحديث أو المشاركة في أي لمة عائلية.
سعاد، بقلبها الكبير وحسّها الفطري، لم تحتمل رؤية شريف يتآكل من الداخل. كانت تقول لي وهي تعد صينية بسبوسة بالمكسرات: “البيت ده ما يكملش فيه الضحك وشريف زعلان يا بت. الجدع صغر في عين نفسه، ولازم نرجّع له هيبته وفرحته، والداوي ما يجيش إلا من جنس الداء!”
بدأت سعاد خطتها بعيداً عن أعين الرجال. كانت تعرف “أم أمل”، وهي سيدة فاضلة من أصل طيب تعيش في الحي المباعد، ولديها ابنة اسمها “رضوى”—بنت أصول، خريجة دار علوم، هادئة الطباع، وعفيفة النفس، تعمل في مكتبة وأحوال أهلها معروفة بالستر والطيبة.
في يوم عطلة، أخذتني سعاد من إيدي وقالت بحماسها المعهود: “لبس نضيف يا حلوة، طالعين مشوار يجيب الأمل للبيت.” ذهبنا لزيارة أم أمل بحجة شراء كتب مستعملة والمجاملة. هناك، رأينا رضوى؛ كانت كالنسيم العليل، شتان بينها وبين غل نرمين وشرها. دخلت القهوة بكل أدب، ورحبت بنا بابتسامة صادقة أثلجت صدر سعاد.