سلفتي سكر
غمزت لي سعاد وقالت بصوت خافت: “هي دي! دي اللي هترجع الضحكة لقلب شريف وتطرد نحس نرمين من الشارعة كلها!”
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورد. عندما طرحت سعاد الفكرة على شريف في لمة العيلة، قوبل طلبها برفض قاطع وصراخ من شريف: “أنا قفلت الباب ده للأبد يا سعاد! مش هتدبس في جوازة تاني ولا عاوز وجع دماغ ولا حريم تدخل بيتنا تهدّه!”
هنا وقفت سعاد أمامه ووضعت يديها في خصرها، ونظرت له بعين مليئة بالتحدي والحب: “جرى إيه يا شريف؟ بقى حتة بت خاينة تخليك تخاف من الدنيا كلها؟ هو أنت علشان اتكويت من نار تسيب البرد يموتك؟ البت دي بنت أصول، ولو ما جيتش معايا تشوفها، مش هدخل لك البيت ده تاني ولا هتشوف زغروطة مني طول ما أنا حية!”
تحت ضغط سعاد وحكم حمايا الذي بارك الخطوة، وافق شريف على الذهاب للرؤية الشرعية وهو مكره. ودخل البيت والكسرة تعلو وجهه، لكن ما إن جلس ورأى أدب رضوى وهدوءها، ورأى كيف تتحدث بعقل ووقار دون تصنع أو تملق، حتى بدأت جبال الثلج في قلبه تذوب شيئاً فشيئاً.
سبحان من يغير الأحوال؛ انشرح صدر شريف، ووافقت العائلتان، وتمت الخطبة في أجواء مليئة بالدموع والفرح. وكانت سعاد هي الدينامو الذي يحرك كل شيء؛ اشترت الجهاز مع العروس، ونظمت كل صغيرة وكبيرة في الشقة الجديدة لتتأكد أنها تخلو من أي ذكرى قديمة.
وفي ليلة الحناء، ارتدت سعاد ثوباً زاهياً، ومسكت الدف بنفسها، وقادت أغاني الفرح في الصالة وسط جارات الحي، وكان صوت زغاريدها يملأ الشارع حتى ظن الناس أن الفرح فرح ابنها البكر.
يوم الزفاف، وعندما دخل شريف يد زوجته الجديدة “رضوى” إلى صالة الشقة، وقف حمايا يبتسم وسلفي الكبير يحتضن أخاه، بينما سحبتني سعاد من إيدي ووقفت في المنتصف، وأطلقت زغروطة طويلة هزت الأركان حتى اهتزت معها النجفات:
“لولولولولولولولولوي! مبروك يا عريسنا، ربنا يجعله بيت مبارك بالخير وعامر بالنية الصافية والقلوب البيضا!”
احتضنت رضوى سعاد بكاءً من شدة التأثر، وقالت لها: “ربنا يخليكي ليا يا أختي الكبيرة، أنتِ اللي جمعتي بيننا بالخير.”
ضحكت سعاد ضحكتها الرنّانة وقالت: “ده واجب علينا يا عروسة، المهم تفضلي مفرفشة وزي الفل!”
عادت البهجة ترفرف على البيت من جديد، وبدت الحياة وكأنها ابتسمت للعيلة أخيراً، غير أن نظرة مريبة من أحد الضيوف الغرباء في أواخر الفرح عند باب العمارة كانت تشير إلى أن هناك حسابات قديمة لم تُغلق بعد مع أطراف أخرى.